نبذة يسيرة من سيرة علي بن أبي طالب –رضى الله عنه-

نبذة يسيرة من سيرة علي بن أبي طالب –رضى الله عنه-

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله، وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فهذه نبذة يسيرة جداً من سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –رضى الله عنه-([1])؛ خليفة رسول اللَّه –صلى الله عليه وسلم- الرابع بإجماع المسلمين، وأفضل البشر بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأبي بكر، وعمر، وعثمان –رضى الله عنهم-، وهو رابع الخلفاء، وأفضلهم، وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم-  في حقهم: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ»([2])، وهو الذي شهد له النبي –صلى الله عليه وسلم-  بالشهادة فعن أَبِي هُرَيْرَةَ –رضى الله عنه-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- ، كَانَ عَلَى جَبَلِ حِرَاءٍ فَتَحَرَّكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم-: «اسْكُنْ حِرَاءُ، فَمَا عَلَيْكَ إِلاَّ نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدٌ»، وَعَلَيْهِ النَّبِيُّ –صلى الله عليه وسلم- ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ –رضى الله عنهم-، ومن سبَّه، أو انتقص من حقه، فهو أضل من حمار أهله؛ لقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ»([3]).

ومن سيرته الجميلة الكريمة النماذج الآتية:

أولاً: مولده، وأعماله، ووفاته:

قال الحافظ ابن حجر /: ولد على الصحيح قبل البعثة بعشر سنين، فرُبّي في حجر النبي –صلى الله عليه وسلم- ، وشهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك، استخلفه النبي –صلى الله عليه وسلم-  على المدينة... وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد([4]).

وعلي –رضى الله عنه- أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وهو صهر رسول اللَّه –صلى الله عليه وسلم-  على فاطمة سيدة نساء العالمين، وهو أحد السابقين، وأحد العلماء الربانيين، والشجعان المشهورين، والزهاد المذكورين، والخطباء المعروفين، وأول من أسلم من الصبيان([5]).

وفي سنة ست وثلاثين بعد الهجرة النبوية بويع لعلي بن أبي طالب بالمدينة بالخلافة، بعد  مقتل عثمان –رضى الله عنه-، فأتاه أصحاب رسول اللًّه فقالوا: لا بد للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحداً أحق بهذا الأمر منك، ولا أقدم سابقة، ولا أقرب من رسول اللَّه –صلى الله عليه وسلم- ، فلما دخل دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه ثم بايعه الناس([6]).

ولد علي بمكة في شعب بني هاشم وقتل بالكوفة([7])، وفي سنة ثمان وثلاثين([8]) بدأ بحروب الخوارج في معركة النهروان، وقام الخوارج باغتياله، فمات شهيداً، قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي في مسجد الكوفة بسيف مسموم، عند قيامه إلى الصلاة، وذلك ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، ومات –رضى الله عنه- غداة يوم الجمعة، وله يوم مات اثنتان وستون سنة([9])، وكانت خلافته خمس سنين، وثلاثة أشهر إلا أربعة عشر يوماً([10]).

ثانياً: موقفه –رضى الله عنه-في تقديم نفسه فداء للنبي –صلى الله عليه وسلم- ودعوته

عندما اجتمع قريش في دار الندوة، وأجمعوا على قتل النبي -صلى الله عليه وسلم- والتخلص منه، أعلم اللَّه نبيه –صلى الله عليه وسلم-  بذلك، وكان النبي –صلى الله عليه وسلم-  أحكم خلق اللَّه، فأراد أن يبقى من أراد قتله ينظر إلى فراشه ينتظرونه يخرج عليهم، فأمر علي بن أبي طالب الشاب البطل أن ينام في فراشه تلك الليلة، ومن يجرؤ على البقاء في فراش رسول اللَّه –صلى الله عليه وسلم-  والأعداء قد أحاطوا بالبيت يتربصون به ليقتلوه؟ من يفعل هذا ويستطيع البقاء في هذا البيت وهو يعلم أن الأعداء لا يفرقون بينه وبين رسول اللَّه –صلى الله عليه وسلم-  في مضجعه؟ إنه لا يفعل ذلك إلا أبطال الرجال وشجعانهم بفضل اللَّه – تعالى – فرضي اللَّه عن علي وأرضاه.

وقد أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يُقيم بمكة أياماً حتى يؤدي أمانة الودائع والوصايا التي كانت عنده إلى أصحابها من أعدائه كاملة غير منقوصة، وهذا من أعظم العدل وأداء الأمانة([11]).

ثالثاً: موقفه في بدر مع رؤوس الكفر

عندما تراجع غزوات النبي -صلى الله عليه وسلم- الكبيرة يوجد ذكر على بن أبي طالب مقروناً بها، فتارة يحمل اللواء، وتارة يفرق جموع الأعداء، وتارة يفتح الحصون المستعصية ويهدم الأصنام، فهو بطل معلم.

عندما تواجه الجيشان في معركة بدر الكبرى، والتقى الفريقان، وحضر الخصمان بين يدي الرحمن، واستغاث بربه سيد الأنبياء، وضج الصحابة بصنوف الدعاء إلى رب الأرض والسماء، وكاشف البلاء، وقبل اشتباك المعركة والتحامها خرج من جيش المشركين عتبة بن ربيعة – يريد أن يظهر شجاعته – فبرز بين أخيه شيبة وابنه الوليد، فلما توسطوا بين الصفين دعوا إلى البراز، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار: عوف بن الحارث، ومعوذ بن الحارث – ابنا العفراء – وعبد اللَّه بن رواحة، فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار، فقالوا: ما لنا بكم من حاجة، ونادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقيل: قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي، فلما دنوا منهم، قالوا: من أنتم؟ فقال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال علي: علي. قالوا: أكفاء كرام، فبارز عبيدة – وكان أسن القوم – عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد بن عتبة.

فقتل علي الوليد فوراً، وقتل حمزة شيبة في الحال، واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما أثبت صاحبه، فكرَّ حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فأكملا قتله، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابهما –رضى الله عنهم-.

وكان ذلك – بإذن اللَّه تعالى – بداية النصر وتشجيع المسلمين، وخذلان ورعب في قلوب المشركين([12]).

روى البخاري عن علي بن أبي طالب –رضى الله عنه- قال: ((أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، وقال قيس بن عباد: وفيهم أنزلت: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} ([13]).

قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة((([14]).

فرضي اللَّه عن جميع الصحابة وأرضاهم، فإنهم كانوا لا تأخذهم في اللَّه لومة لائم، قال اللَّه –عز وجل: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا} ([15]).

رابعاً: موقف علي –رضى الله عنه- في يوم الأحزاب (يوم الخندق):

في سنة خمس من الهجرة كانت غزوة الخندق في شهر شوال.

وكان سبب هذه الغزوة أن جماعة من اليهود خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة، فدعوهم إلى حرب رسول اللَّه –صلى الله عليه وسلم- ، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فتعاهدوا على حرب النبي –صلى الله عليه وسلم- ، ثم خرج هؤلاء الجماعة من اليهود حتى جاءوا قبائل غطفان فدعوهم لذلك، فأجابوهم، ثم طافوا في قبائل العرب، فاستجاب لهم من استجاب، ونقضت بنو قريظة العهد امتثالاً لأمر حيي بن أخطب، عندما حرض كعب بن أسد القرظي على رسول اللَّه –صلى الله عليه وسلم- ، ولما سمع رسول اللَّه –صلى الله عليه وسلم-  بهم، وبما أجمعوا عليه من الأمر ضرب الخندق على المدينة بمشورة سلمان الفارسي، فحفروا الخندق بينهم وبين العدو، وجعلوا جبل سلع من خلف ظهورهم، وقد صار المحاربون لرسول اللَّه –صلى الله عليه وسلم-  خمسة أصناف هم: المشركون من أهل مكة، والمشركون من قبائل العرب، واليهود من خارج المدينة، وبنو قريظة، والمنافقون، وكان من وافى الخندق من الكفار عشرة آلاف، والمسلمون مع النبي –صلى الله عليه وسلم-  ثلاثة آلاف، وقد حاصروا النبي –صلى الله عليه وسلم-  شهراً، ولم يكن بينهم قتال، لأجل ما حال اللَّه به من الخندق بينهم وبين المسلمين، إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد وُدٍّ العامري أقبلوا، فجالت بهم خيولهم، فنظروا إلى مكان ضيق من الخندق فاقتحموه، ثم جالت بهم خيولهم في السبخة بين الخندق وسلع، ودعوا إلى البراز([16]).

وهذا هو موضع الشاهد لموقف علي بن أبي طالب –رضى الله عنه-:

قال عمرو بن عبد ودّ في هذا الموقف: من يُبارز؟ فقام علي بن أبي طالب، فقال: أنا لها يا رسول اللَّه! فقال: ((إنه عمرو، اجلس))، ثم نادى عمرو: ألا رجل يبرز؟ فجعل يؤنبهم، ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟ أفلا تبرزون إليَّ رجلاً؟ فقام علي، فقال: أنا يا رسول اللَّه! فقال: ((اجلس)) ثم نادى الثالثة... فقام علي –رضى الله عنه- فقال: يا رسول اللَّه، أنا، فقال: ((إنه عمرو))، فقال: وإن كان عمراً! فأذن له رسول اللَّه ×، فمشى إليه علي حتى أتى إليه، فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي. قال: ابن عبد مناف؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، وقال علي: يا عمرو، إنك كنت عاهدت اللَّه ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه، قال له: أجل، قال علي: فإني أدعوك إلى اللَّه وإلى رسوله وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لي بذلك، قال: فإني أدعوك إلى النزال، فقال له: لم يا ابن أخي؟ فواللَّه ما أحب أن أقتلك. قال له علي: ولكني واللَّه أحب أن أقتلك، فغضب عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على عليٍّ وسل سيفه كأنه شعلة نار، فاستقبله عليٌّ بالترس، فشق السيف الترس، فضربه عليُّ على حبل عاتقه، فسقط وثار الغبار، وسمع المسلمون التكبير، فعرفوا أن عليًّا قتله.

وقال علي –رضى الله عنه-:

نصر الحجارة من سفاهة رأيه

 

ونصرت رب محمد بصوابي

فصدرت حين تركته متجدلاً

 

كالجذع بين دكادك وروابي

وبعد هذه المبارزة انهزم الباقون، وخرجت خيولهم حتى اقتحمت الخندق([17]).

وهكذا ظهرت الشجاعة العظيمة الحكيمة، ومن عظم هذه الحكمة أن علي بن أبي طالب –رضى الله عنه- دعا عمراً إلى اللَّه فأبى ذلك، فدعاه إلى النزال فنزل، فقتله –رضى الله عنه- فكان ذلك من أسباب نصر المسلمين بإذن اللَّه تعالى([18]).

فظهرت حكمة علي –رضى الله عنه- في هذا الموقف من عدة وجوه، منها:

1-    استئذانه النبي –صلى الله عليه وسلم-  في المبارزة.

2-    تذكيره لعمرو بن عبد ودّ ما عاهد عليه اللَّه من قبول ما يعرض عليه من الخصال من قريش.

3-    وعند إقرار عمرو بما عاهد اتخذ عليٌّ ذلك مدخلاً، فقال: إني أدعوك إلى اللَّه وإلى رسوله وإلى الإسلام.

4-  وعندما امتنع من قبول هذه الدعوة دعاه إلى النزال، فلم ينزل فاستفزه ليغضبه، فلما نزل قتله –رضى الله عنه- فانهزم المشركون بفضل اللَّه، ثم بدخول الرعب في قلوبهم بهذا الموقف الحكيم.

خامساً: موقف علي –رضى الله عنه- في غزوة خيبر:

في السنة الرابعة للَّهجرة سار رسول اللَّه –صلى الله عليه وسلم-  إلى خيبر، وكان إذا أتى قوماً بليل لم يقربهم حتى يُصبح، فلما أصبح صبح خيبر بكرة، فخرج أهلها بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قالوا: محمد واللَّه، محمد والخميس، فقال رسول اللَّه –صلى الله عليه وسلم-: ((اللَّه أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين))([19]).

وعندما رأى أهل خيبر الجيش رجعوا هاربين إلى حصونهم، وخرج ملكهم مَرْحَب يرفع سيفه مرة، ويضعه أخرى ويقول:

قد علمت خيبر أني مرحب                    شاكي السلاح بطل مجرب

                        إذا الحروب أقبلت تلهبف

برز له عامر بن الأكوع، فقال:

قد علمت خيبر أني عامر                    شاكي السلاح بطل مغامر

فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يضربه من أسفله، فرجع سيفه على نفسه فمات شهيداً([20]).

ثم قال رسول اللَّه –صلى الله عليه وسلم-  يوم خيبر: ((لأعطين هذه الراية غداً رجلاً يفتح اللَّه على يديه، يحب اللَّه ورسوله، ويحبه اللَّه ورسوله))، فبات الناس يدوكون([21]) ليلتهم: أيهم يُعطاها، فلما أصبح الناس غدوا إلى رسول اللَّه –صلى الله عليه وسلم-  كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: ((أين علي بن أبي طالب؟)) قيل: هو يا رسول اللَّه يشتكي عينيه، قال: ((فأرسلوا إليه))، فأُتي به، فبصق رسول اللَّه –صلى الله عليه وسلم-  في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول اللَّه! أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: ((انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق اللَّه فيه، فواللَّه لأن يهدي اللَّه بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم))([22]).

وبدأ علي –رضى الله عنه- وأخذ الراية، وخرج مرحب فقال:

قد علمت خيبر أني مرحب                 شاكي السلاح بطل مجرب

                      إذا الحروب أقبلت تلهب

فقال علي:

أنا الذي سمتني أمي حيدره([23])      كليث غابات كريه المنظره

                  أوفيهم بالصاع كيل السندره([24])

فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه([25]).

فرضي اللَّه عن علي وأرضاه، فقد قام بهذه البطولة النادرة بعد حصار النبي –صلى الله عليه وسلم-  لأهل خيبر قريباً من عشرين يوماً، ثم يسر اللَّه فتحها على يد علي –رضى الله عنه- فخرج الناس من حصونهم يسعون في السكك، فقتل النبي –صلى الله عليه وسلم- المقاتلة، وسبى الذرية، وكان في السبي صفية، ثم صارت إلى النبي × فأعتقها، وجعل عتقها صداقها، فأصبحت أما للمؤمنين([26]).

وعلي –رضى الله عنه- له مواقف أخرى كثيرة، تظهر فيها الحكمة العظيمة، ولكن المقام لا يتسع إلا لما ذكر من المواقف السابقة، وهكذا يفعل من يرجو اللَّه واليوم الآخر، فإن الإنسان إذا كان همه للَّه، وقلبه معلق باللَّه، عمل كل ما يحب مولاه تبارك وتعالى.

وقد ظهرت حكمة علي –رضى الله عنه- في هذا الموقف من عدّة وجوه، منها:

1- قوله: «أُقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟»؛ فإنه –رضى الله عنه- استفسر من النبي –صلى الله عليه وسلم- –صلى الله عليه وسلم- قبل القتال، إلى أي مدى يستمر القتال؟ وهذا من أعظم الحكمة؛ لأن الداعية لابد له من وضوح الهدف والغاية، وأن يكون على بصيرة من أمره.

2- وقوله: «أنا الذي سمتني أمي حيدرة»، وهذا فيه تذكير لمرحب؛ لأنه قد رأى في المنام أن أسداً يقتله، فذكره علي –رضى الله عنه- بذلك، ليخيفه ويضعف نفسه، حتى يستولي على قتله.

3- وقوله: «أوفيهم بالصاع كيل السندرة» هذا فيه إرهاب وإخبار لمرحب أن علي بن أبي طالب يقتل الأعداء قتلاً واسعاً ذريعاً.

4- ثم ختم هذه الحكم بقتل مرحب، فهزم اللَّه به الأعداء، ونصر المسلمين عليهم نصراً مؤزراً، فله الحمد أولاً وآخراً.

وهذا غيض من فيض، وإلا فهو أفضل السابقين الأولين بعد أبي بكر، وعمر، وعثمان –رضى الله عنهم-، وصلى اللَّه وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين.   

سعيد بن علي بن وهف القحطاني

 



([1]) انظر سيرته بالتفصيل في: سير أعلام النبلاء، للإمام الذهبي، مجلد سير الخلفاء الراشدين، ص 223- 290 (مؤسسة الرسالة).

([2]) أخرجه الإمام أحمد، برقم 17144، وأبو داود، برقم 4607، والترمذي، برقم 2676.

([3]) رواه البخاري، برقم 3673، ومسلم، برقم 2540.

([4]) الإصابة في تمييز الصحابة، لابن خحر، 2/ 507، وانظر: تاريخ الخلفاء، ص 166.

([5]) الاستيعاب لابن عبد البر، 3/ 1093.

([6]) تاريخ الطبري، 2/ 696.

([7]) تاريخ خليفة بن خياط، ص: 199. وإن اختلاف العلماء الكبير في عمره يوم أسلم، أدى فيما يبدو إلى عدم تطرقهم كثيراً إلى عام مولده.

([8]) المرجع السابق، ص: 197.

([9]) وقد سبق ترجيح ابن حجر أن ولادته كانت قبل البعثة بعشر سنين، فعلى هذا يكون عمره إحدى وستين سنة، والعلم عند اللَّه تعالى.

([10]) مشاهير علماء الأمصار، لابن حبان، ص 6.

([11])  انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص166.

([12])  انظر: البداية والنهاية لابن كثير، 3/272، 273 بتصرف، وفتح الباري، 7/299، وزاد المعاد لابن القيم، 3/179، وقصة المبارزة أخرجها أحمد، 1/117، أبو داود، 3/52، برقم 2665، في الجهاد، باب المبارزة من حديث علي، وإسناده قوي، وانظر: صحيح سنن أبي داود، 2/507.

([13])  سورة الحج، الآية: 19. وانظر: فتح البخاري مع الفتح، 7/96.

([14])  البخاري مع الفتح، في كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل، 7/296، 297، (رقم 3965،  3966)، وفي كتاب التفسير، باب (هذان خصمان اختصموا في ربهم) 9/443، (رقم 4744)، وانظر أيضا: البداية والنهاية 3/273، وأعلام المسلمين لخالد البيطار، ص62.

([15])  سورة الأحزاب، الآية: 23.

([16])  انظر: زاد المعاد، 3/269-276، وسيرة ابن هشام، 3/229-252، والبداية والنهاية، 4/92-116.

([17])  انظر: البداية والنهاية، 4/106، وسيرة ابن هشام، 3/240، وزاد المعاد، 3/272، وانظر أيضاً شجاعة علي –رضى الله عنه- في حياة الصحابة للعلامة الكاندهلوي، 1/541-546.

([18])  انظر: غزوة الخندق كاملة في زاد المعاد، 3/269-276، وسيرة ابن هشام، 3/229-252، والبداية والنهاية، 4/92-116.

([19])  البخاري مع الفتح، المغازي، باب غزوة خيبر 7/467، (رقم 4197)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة خيبر 3/1427، (رقم 1365)، وانظر: زاد المعاد لابن القيم، 3/316.

([20])  انظر: صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة ذي قرد وغيرها، من حديث سلمة بن الأكوع، 3/1440، 1441، (رقم 1807)، وزاد المعاد لابن القيم، 3/319.

([21])  يدوكون: أي يخوضون ويتحدثون في ذلك. انظر: شرح النووي، 12/178.

([22])  البخاري مع الفتح، في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، 7/476، (رقم 4210)، وكتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي –رضى الله عنه-، 7/70، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل علي –رضى الله عنه-، (رقم 2406)، 4/1871، 3/1441.

([23])  حيدرة: اسم للأسد، وكان عليٌّ –رضى الله عنه- قد سُمِّي أسداً في أول ولادته، وكان مرحب قد رأى أن أسداً يقتله، فذكره عليٌّ بذلك ليخيفه ويضعف نفسه. شرح النووي على صحيح مسلم 12/185.

([24])  معناه: أقتل الأعداء قتلاً واسعاً ذريعاً، وقيل السندرة: مكيال واسع. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 12/185.

([25])  أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة ذي قرد وغيرها مطولاً، 3/1441، (رقم 1807)، وانظر: زاد المعاد، 3/321، وحياة الصحابة، 1/544.

([26])  انظر: البخاري مع الفتح، كتاب المغازي. باب غزوة خيبر، 7/469، (رقم 4200، 4201)، وانظر: البداية والنهاية، 4/181-191، وابن هشام، 3/378-388، وانظر: ترجمة علي بن أبي طالب –رضى الله عنه- كاملة في الإصابة في تمييز الصحابة، 2/507-510، والبداية والنهاية، 7/222-224، وانظر: شجاعة علي أيضاً في حياة الصحابة للكاندهلوي، 1/541- 546

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 228 زوار و 4 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول