نبذة من فضائل أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- (1)

نبذة من فضائل أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- (1)

الحمد للَّهِ، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله، وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد.

فإن أصحاب النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- هم أفضل البشر، –صلى الله عليه وسلم- بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد اختارهم اللَّه –عز وجل- لصحبة نبيه، ونصرته، ومدحهم، وأثنى عليهم –سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم في مواضع كثيرة، ومدحهم النبي –صلى الله عليه وسلم-، وأثنى عليهم في أحاديث كثيرة، ومن ذلك الآيات والأحاديث الآتية:

1-     قال اللَّه –عز وجل- في مدح النبي صلى الله عليه وسلم- وأصحابه: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}([1]).

وقد ثبت في حديث أبي هريرة  –رضى الله عنه-  قال: «لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم-: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم-، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم-، ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، كُلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْجِهَادَ، وَالصَّدَقَةَ، وَقَدِ اُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم-: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟، بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ»، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ، ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي إِثْرِهَا: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ –عز وجل-: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}، قَالَ: «نَعَمْ»، {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}، قَالَ: «نَعَمْ»، {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}، قَالَ: «نَعَمْ»، {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}، قَالَ: «نَعَمْ»([2]).

وعن ابْنِ عَبَّاسٍ ب، قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}، قَالَ: دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم-: «قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا»، قَالَ: فَأَلْقَى اللَّهُ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ {وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا}، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ»([3]).

2-    وقال اللَّه –سبحانه وتعالى- في مدح المهاجرين والأنصار: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}([4])، والمعنى أن اللَّه –عز وجل- مدح المهاجرين والأنصار أصحاب النبي محمد بن عبد اللّه صلى الله عليه وسلم-، وأثنى عليهم بالإيمان، وبيَّن ثوابهم؛ لأنهم صدَّقوا إيمانهم بما قاموا به من الهجرة، والنصرة، والموالاة؛ بعضهم لبعض، وجهادهم لأعداء اللَّه ورسوله، من الكفار والمنافقين {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ}([5]).

3-    وقال –عز وجل-: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}([6])، «يخبر تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من المهاجرين والأنصار، أنهم بأكمل الصفات، وأجلّ الأحوال، وأنهم {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ}، أي: جادُّون ومجتهدون في عداوتهم، وساعون في ذلك بغاية جهدهم، فلم يروا منهم إلا الغلظة والشدة، فلذلك ذلّ أعداؤهم لهم، وانكسروا، وقهرهم المسلمون، {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}، أي: متحابُّون، متراحمون، متعاطفون، كالجسد الواحد، يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، هذه معاملتهم مع الخلق، وأما معاملتهم مع الخالق؛ فإنك {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا}، أي: وصفهم كثرة الصلاة، التي أجل أركانها الركوع والسجود، {يَبْتَغُونَ} بتلك العبادة {فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا}، أي: هذا مقصودهم بلوغ رضا ربهم، والوصول إلى ثوابه، {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ}، أي: قد أثرت العبادة -من كثرتها وحسنها- في وجوههم، حتى استنارت، لما استنارت بالصلاة بواطنهم، استنارت بالجلال ظواهرهم، {ذَلِكَ} المذكور {مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ}، أي: هذا وصفهم الذي وصفهم اللَّه به، مذكور بالتوراة هكذا، وأمّا مثلهم في الإنجيل؛ فإنهم موصوفون بوصف آخر، وأنهم في كمالهم وتعاونهم {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ}، أي: أخرج فراخه، فوازرته فراخه في الشباب والاستواء، {فَاسْتَغْلَظَ} ذلك الزرع، أي: قوي وغلظ {فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} جمع ساق، {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ} من كماله واستوائه، وحسنه واعتداله، كذلك الصحابة –رضى الله عنهم-، هم كالزرع في نفعهم للخلق، واحتياج الناس إليهم، فقوة إيمانهم، وأعمالهم بمنزلة قوة عروق الزرع، وسوقه، وكون الصغير والمتأخر إسلامه، قد لحق الكبير السابق، ووازره، وعاونه على ما هو عليه، من إقامة دين اللَه والدعوة إليه، كالزرع الذي أخرج شطأه، فآزره فاستغلظ، ولهذا قال: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} حين يرون اجتماعهم وشدتهم على دينهم، وحين يتصادمون هم، وهم في معارك النزال، ومعامع القتال، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} فالصحابة –رضى الله عنهم-، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، قد جمع اللَّه لهم بين المغفرة، التي من لوازمها وقاية شرور الدنيا والآخرة، والأجر العظيم في الدنيا والآخرة»([7]).

4-    وقال –سبحانه وتعالى-: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ([8]). ذكر اللَّه –عز وجل- أموال الفيء، وحدد أصحابها «ثم ذكر تعالى الحكمة، والسبب الموجب لجعله تعالى الأموال أموال الفيء لمن قدرها له، وأنهم حقيقون بالإعانة، مستحقون لأن تجعل لهم، وأنهم ما بين مهاجرين قد هجروا المحبوبات والمألوفات، من الديار، والأوطان، والأحباب، والخلان، والأموال، رغبة في اللَّه، ونصرة لدين اللَّه، ومحبة لرسول اللَّه، فهؤلاء هم الصادقون الذين عملوا بمقتضى إيمانهم، وصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة، والعبادات الشاقة، بخلاف من ادّعى الإيمان، وهو لم يصدقه بالجهاد، والهجرة وغيرهما من العبادات، وبين أنصار، وهم الأوس والخزرج الذين آمنوا باللَّه ورسوله؛ طوعاً، ومحبة، واختياراً، وآووا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم-، ومنعوه من الأحمر والأسود، وتبوؤوا دار الهجرة والإيمان، حتى صارت موئلاً، ومرجعاً يرجع إليه المؤمنون، ويلجأ إليه المهاجرون، ويسكن بحماه المسلمون إذ كانت البلدان كلها بلدان حرب، وشرك، وشر، فلم يزل أنصار الدين تأوي إلى الأنصار، حتى انتشر الإسلام، وقوي، وجعل يزيد شيئاً شيئاً فشيئاً، وينمو قليلاً قليلاً، حتى فتحوا القلوب بالعلم والإيمان، والقرآن، والبلدان بالسيف والسنان، الذين من جملة أوصافهم الجميلة أنهم {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ}؛ وهذا لمحبتهم للَّه، ولرسوله، أحبوا أحبابه، وأحبوا من نصر دينه، {وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا}، أي: لا يحسدون المهاجرين على ما آتاهم اللَّه من فضله، وخصَّهم به من الفضائل، والمناقب التي هم أهلها، وهذا يدل على سلامة صدورهم، وانتفاء الغلِّ، والحقد، والحسد عنها، ويدل ذلك على أن المهاجرين، أفضل من الأنصار، لأن اللَّه قدمهم بالذكر، وأخبر أن الأنصار لا يجدون في صدورهم حاجة ممّا أوتوا، فدل على أن اللَّه تعالى آتاهم ما لم يؤت الأنصار ولا غيرهم، ولأنهم جمعوا بين النصرة والهجرة، وقوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} أي: ومن أوصاف الأنصار التي فاقوا بها غيرهم، وتميّزوا بها على من سواهم: الإيثار، وهو أكمل أنواع الجود، وهو الإيثار بمحابّ النفس من الأموال وغيرها، وبذلها للغير مع الحاجة إليها، بل مع الضرورة والخصاصة، وهذا لا يكون إلا من خلق زكي، ومحبة للَّه تعالى مقدمة على محبة شهوات النفس ولذاتها، ومن ذلك قصة الأنصاري الذي نزلت الآية بسببه، حين آثر ضيفه بطعامه، وطعام أهله وأولاده، وباتوا جياعاً، والإيثار عكس الأثرة، فالإيثار محمود، والأثرة مذمومة؛ لأنها من خصال البخل، والشح، ومن رزق الإيثار فقد وُقي شح نفسه {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، ووقاية شحّ النفس، يشمل وقايتها الشحّ، في جميع ما أمر به، فإنه إذا وُقي العبد شحّ نفسه، سمحت نفسه بأوامر اللَّه ورسوله، ففعلها طائعاً منقاداً، منشرحاً بها صدره، وسمحت نفسه بترك ما نهى اللَّه عنه، وإن كان محبوباً للنفس، تدعو إليه، وتطلع إليه، وسمحت نفسه ببذل الأموال في سبيل اللَّه، وابتغاء مرضاته، وبذلك يحصل الفلاح والفوز، بخلاف من لم يوق شحّ نفسه، بل ابتلي بالشح بالخير، الذي هو أصل الشر، ومادته، فهذان الصنفان، الفاضلان الزكيان هم الصحابة الكرام، والأئمة الأعلام، الذين حازوا من السوابق، والفضائل، والمناقب ما سبقوا به من بعدهم، وأدركوا به من قبلهم، فصاروا أعيان المؤمنين، وسادات المسلمين، وقادات المتقين»([9]).

5-    وقال اللَّه –عز وجل-: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}([10])، لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم- من (أحد) إلى المدينة، وسمع أن أبا سفيان، ومن معه من المشركين، قد همّوا بالرجوع إلى المدينة، ندب أصحابه إلى الخروج، فخرجوا -على ما بهم من الجراح- استجابة للَّه ولرسوله، وطاعة للَّه ولرسوله، فوصلوا إلى (حمراء الأسد)، وجاءهم من جاءهم، وقال لهم: {إن الناس قد جمعوا لكم}، وهمّوا باستئصالكم، تخويفاً لهم وترهيباً، فلم يزدهم ذلك إلا إيماناً باللَّه، واتكالاً عليه، {وقالوا حسبنا اللَّه} أي: كافينا كل ما أهمّنا {ونعم الوكيل} المفوّض إليه تدبير عباده، والقائم بمصالحهم، {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، {فانقلبوا} أي: رجعوا {بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء}، وجاء الخبر المشركين أن الرسول وأصحابه قد خرجوا إليكم، وندم من تخلّف منهم، فألقى اللَّه الرعب في قلوبهم، واستمروا راجعين إلى مكة، ورجع المؤمنون بنعمة من اللَّه وفضل، حيث مَنَّ عليهم بالتوفيق للخروج بهذه الحالة، والاتكال على ربهم، ثم إنه قد كتب لهم أجر غزاة تامة، فبسبب إحسانهم بطاعة ربهم، وتقواهم عن معصيته، لهم أجر عظيم، وهذا فضل اللَّه عليهم»([11]).

6-    وقال –عز وجل-: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} ([12])، «السابقون هم الذين سبقوا هذة الأمة، وبدروها إلى الإيمان والهجرة، والجهاد، وإقامة دين اللَّه {مِنَ الْمُهَاجِرِينَ} {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} ([13])،{و} من {الأنْصَارِ} {الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ}، {مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} ([14])،{وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} بالاعتقادات، والأقوال، والأعمال، فهؤلاء، هم الذين سلموا من الذمّ، وحصل لهم نهاية المدح، وأفضل الكرامات من اللَّه، {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ}، ورضاه تعالى أكبر من نعيم الجنة، {وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ} الجارية التي تساق إلى سَقْيِ الجنان، والحدائق الزاهية الزاهرة، والرياض الناضرة {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} لا يبغون عنها حولاً، ولا يطلبون منها بدلاً؛ لأنهم مهما تمنّوه، أدركوه، ومهما أرادوه، وجدوه {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} الذي حصل لهم فيه، كل محبوب للنفوس، ولذّةٍ للأرواح، ونعيم للقلوب، وشهوة للأبدان، واندفع عنهم كل محذور»([15]).





([1]) سورة البقرة، الآية: 285.

([2]) مسلم، برقم 125.

([3]) مسلم، برقم 126.

([4]) سورة الأنفال، الآية: 74.

([5]) انظر: تيسير الكريم الرحمن، ص 327.

([6]) سورة الفتح، الآية: 29.

([7]) تيسير الكريم الرحمن، ص 795.

([8]) سورة الحشر، الآيتان: 8-9.

([9]) تيسير الكريم الرحمن، ص 850.

([10]) سورة آل عمران، الآيات: 172- 173.

([11]) تيسير الكريم الرحمن، ص 157.

([12]) سورة التوبة، الآية: 100.

([13]) سورة الحشر، الآية: 8.

([14]) سورة الحشر، الآية: 9.

([15]) تيسير الكريم الرحمن، ص 349.


عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 246 زوار و 2 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول