الحيلولة بين العبد والدعاء

الحيلولة بين العبد والدعاء

إن المصيبة كل المصيبة والرزية كل الرزية أن يحال بين المرء وبين الدعاء عندما تنزل به الملمات، وتشتد به الكربات، فلا يضرع إلى الله ولا يلجأ إليه بأن يكشف الله ضره ويفرج همه.

ولقد بين الله تعالى في القرآن نموذجًا من الواقع التاريخي، نموذجًا يعرض ويفسر كيف تعرض عاقبة تعرضهم له، وكيف يمنحهم الله الفرصة بعد الفرصة، ويسوق إليهم التنبيه بعد التنبيه، فإذا نسوا ما ذكروا به، ولم توجههم الشدة إلى التوجه إلى الله والتضرع له ودعائه، ولم توجههم النعمة إلى الشكر والحذر من الفتنة، كانت فطرتهم قد فسدت الفساد الذي لا يرجى معه صلاح، وكانت حياتهم قد فسدت الفساد الذي لا تصلح معه للبقاء فحقت عليهم كلمة الله، ونزل بساحتهم الدمار الذي لا تنجو منه ديار؛ فقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام].

في هذه الآيات عرض لأنموذج متكرر في أمم شتى.. أمم جاءتهم رسلهم فكذبوا، فأخذهم الله بالبأساء والضراء؛ في أموالهم، وفي أنفسهم، في أحوالهم وأوضاعهم، بالبأساء والضراء التي تبلغ أن تكون (عذاب الله) الذي هو التدمير والاستئصال.

لقد أخذهم الله بالبأساء والضراء ليرجعوا إلى أنفسهم، وينقبوا في ضمائرهم، وفي واقعهم، لعلهم تحت وطأة الشدة يتضرعون إلى الله، ويتذللون له، ويدعون الله أن يرفع عنهم البلاء بقلوب مخلصة، بقلوب موقنة، فيرفع الله عنهم البلاء، ويفتح لهم أبواب السماء.. ولكنهم لم يفعلوا ما كان حريًا أن يفعلوا، لم يلجؤوا إلى الله، ولم يرجعوا عن عنادهم وعصيانهم، ولم ترد إليهم الشدة وعليهم، ولم تفتح بصيرتهم، ولم تلن قلوبهم، وكان الشيطان من ورائهم يزين لهم ما هم فيه من الضلال والعناد: {وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

والقلب الذي لا ترده الشدة إلى الله قلب تحجر فلم تعد فيه نداوة تعصرها الشدة، ومات فلم تعد الشدة تثير فيه الإحساس، وتعطلت أجهزة الاستقبال الفطرية فيه؛ فلم يعد يستشعر هذه الوخزة الموقظة التي تنبه القلوب الحية للتلقي والاستجابة، والشدة ابتلاء من الله للعبد؛ فمن كان حيًا أيقظته، وفتحت مغاليق قلبه، وردته إلى ربه، وكانت رحمة له من الرحمة التي كتبها الله على نفسه، ومن كان ميتًا حُسبت علليه، ولم تفده شيئًا، وإنما أسقطت عذره وحجته، وكانت عليه شقوة، وكانت موطئة للعذاب.

وإذا كانت الشدة لم تفد في تلك الأمم، فالله تعالى يملي لهم ويستدرجهم بالرخاء: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ}؛ إن الرخاء ابتلاء آخر كابتلاء الشدة، وهو مرتبة أشد وأعلى من مرتبة الشدة! والله يبتلي بالرخاء كما يبتلي بالشدة، قال –صلى الله عليه وسلم-: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج». ثم تلا: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ}([1]).

تأمل – رعاك الله – قوله: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} تلك الأرزاق والخيرات والمتاع متدفقة عليهم كالسيول، بلا حواجز ولا قيود! وهي مقبلة عليهم بلا عناء ولا كد، ولا حتى محاولة!

{حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا} وغمرتهم الخيرات والأرزاق المتدفقة، واستغرقوا في المتاع بها، والفرح لها بلا شكر ولا ذكر، وخلت قلوبهم من الاختلاج بذكر المنعم ومن خشيته وتقواه، وانحصرت اهتماماتهم في لذائذ المتاع واستسلموا للشهوات، وخلت حياتهم من الاهتمامات الكبيرة، وتبع ذلك فساد النظم والأوضاع بعد فساد القلوب والأخلاق، وجر هذا وذلك إلى نتائجه الطبيعية من فساد الحياة كلها.. عندئذ جاء موعد السنة التي لا تتبدل {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ}. فكان أخذهم على غرة وهم في سهوة وسكرة؛ فإذا هم حائرون منقطعوا الرجاء في النجاة، عاجزون عن التفكير في أي اتجاه {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.



([1]) رواه أحمد في المسند (4/145) وصححه الألباني، صحيح الجامع رقم (561).

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 143 زوار و 6 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول