الدعاء السلاح المهمل

الدعاء السلاح المهمل

الحمد لله حمدًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً نرجوا لها النجاة، ويكون أمرنا يسرى، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله –صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وصحبه.. أما بعد:

فاقرأ معي هذا الخبر.. كان رجل من أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- من الأنصار يكنى أبا مِعْلَق وكان تاجرًا يتجر بمال له ولغيره، يضرب به في الآفاق، وكان ناسكًا ورعًا، فخرج مرة فلقيه لص مقنع في السلاح، فقال له: ضع ما معك فإني قاتلك، قال: ما تريد إلى دمي شأنك بالمال، قال: أما المال فلي ولست أريد إلا دمك، قال: أما إذا أبيت فذرني أصلي أربع ركعات، فكان من دعائه في آخر سجدة أن قال: يا ودود يا ذا العرش المجيد أسألك بعزك الذي لا يرام وملكك الذي لا يضام وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني، يا مغيث أغثني؛ ثلاث مرات، فإذا هو بفارس أقبل بيده حربة ووضعها بين أذني فرسه، فلما بصر به اللص أقبل نحوه فطعنه فقتله، ثم أقبل إليه فقال: قم. قال: من أنت – بأبي وأمي – فقد أغاثني الله بك اليوم، قال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة دعوت بدعائك الأول فسمعت لأبواب السماء قعقة، ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجة، ثم دعوت بدعائك الثالث فقيل: دعاء مكروب، فسألت الله تعالى أن يوليني قتله ([1]).

هكذا عندما تنزل المحن وتشتد الخطوب وتتوالى الكروب وتعظم الرزايا وتتابع الشدائد لن يكون أمام المسلم إلا أن يلجأ إلى الله تعالى، ويلوذ بجانبه، ويضرع إليه راجيًا تحقيق وعده الذي وعد به عباده المؤمنين؛ إذ يقول الله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، ويقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]، فإني قريب.. أجيب دعوة الداع إذا دعان.. أية رقة؟ وأية شفافية؟ وأي إيناس؟ وأين تقع تكاليف الحياة في ظل هذا الود؟ وظل هذا القرب؟ وظل هذا الإيناس؟ {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}. أضاف العباد إليه، والرد المباشر عليهم منه.. ولم يقل: فقل لهم: إني قريب.. إنما تولى بنفسه جل جلاله الجواب على عباده بمجرد السؤال فقط!.. قريب.. ولم يقل أسمع الدعاء.. إنما عجل بإجابة الدعاء: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}.. إنها آية عجيبة.. آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة، والود المؤنس، والرضا المطمئن، والثقة واليقين.. ويعيش منها في جناب رضيٍّ، وقربى ندية، وملاذ أمين، وقرار مكين، قال عليه الصلاة والسلام: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له»([2]). وعن أبي هريرة –رضى الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «إنه من لم يسأل الله يغضب عليه»([3]).

فالدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، ويعالجه ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن، وقد روى الحاكم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «لا يُغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيتعلجان إلى يوم القيامة»([4]).



([1]) كرامات الأولياء لللالكائي (9/154)، الإصابة (7/379) الهواتف لابن أبي الدنيا (2/24).

([2]) رواه مسلم ورقمه (1261) من حديث أبي هريرة –رضى الله عنه-.

([3]) رواه الترمذي ورقمه: (3373) وابن ماجه ورقمه: (3827) بلفظ: «من لم يدع الله غضب عليه» وحسنه الألباني.

([4]) أخرجه الحاكم (1/492) وصححه، وقد حسنه الألباني في صحيح الجامع (7739).

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 372 زوار و 8 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول