صفات النبيِّ –صلى الله عليه وسلم- الْـخَلْقِيّة والْـخُلُقيّة (1)

صفات النبيِّ –صلى الله عليه وسلم- الْـخَلْقِيّة والْـخُلُقيّة (1)

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليماً كثيراً، أَمّا بعد:

عباد الله اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة النبي –صلى الله عليه وسلم-  التي هي من الأصول الثلاثة، التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها، والعمل بها، ويُسأل عنها في قبره. ومن هذه المعرفة معرفة صفاته الْخَلْقِيّة والْخُلُقيّة.

فقد كان النبي –صلى الله عليه وسلم- أحسن الناس خَلْقاً وخُلُقاً،  وألينهم كفّاً، وأطيبهم ريحاً، وأكملهم عقلاً، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية([1])، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهاداً في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلاً، وأخشعهم لله قلباً، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعاماً قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه, ويخدم في مهنة أهله, ويحلِبُ شاته, ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعاً، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيراً لفقره, ولا يهاب مَلِكاً لِـمُلْكِهِ, وكان يركب الفرس, والبعير, والحمار, والبغلة, ويردف خلفه, ولا يدع أحداً يمشي خلفه([2]). وخاتمه فضة وفصه منه, يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

وكان رسول الله –صلى الله عليه وسلم-  ليس بالطويل البائن([3])، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق([4])، ولا بالأدم([5])، ولا بالجعد القطط([6])، ولا بالسَّبط([7])–صلى الله عليه وسلم-  ([8])، وكان ضخم القدمين حسن الوجه([9])، أبيض مليح الوجه([10])، وكان رجلاً مربوعاً بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين([11])، ضخم الرأس، ضخم الكراديس([12])، طويل الـمَسْربة([13])، إذ مشى تكفّأ تكفؤاً كأنما ينحط من صببٍ([14])، لم يُرَ قبله ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئاً، ويُسرّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: «عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر»([15]). وقال: «إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر»([16])، وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحواً من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: «شيَّبتني هود وأخواتها»، وفي لفظ: «شيّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت»([17])، وشَيْبُهُ أحمر مخضوباً، وكان يُحبّ لبس القميص، والحَبِرَة([18])، وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه([19])، وكان يحب الطيب، ويقول: «طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه»([20]).

وكان –صلى الله عليه وسلم-  يتجمَّلُ للعيد، والوفود، ويُحِبّ النظافة، وكان يكره أن يقوم له أحد؛ فلا يقوم له الصحابة؛ لعلمهم بكراهته لذلك([21])، وكان يُحِبّ السّواك، ويبدأ به إذا دخل بيته، ويشوص فاه بالسواك إذا قام من الليل، وكان ينام أول الليل ثم يقوم يصلي، وكان يطيل صلاة الليل حتى تنتفخ قدماه، ثم يُوتِرُ آخر الليل قبل الفجر، وكان يُحِبّ أن يسمع القرآن من غيره، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز ويصلي عليهم، وكان كثير الحياء، وكان إذا كره شيئاً عُرِف في وجهه، وكان يُحِبّ الستر، وكان يتوكل على الله حقَّ توكُّلِهِ؛ لأنه سيد المتوكّلين، قال أنس –رضى الله عنه- : خَدَمْتُ النبي –صلى الله عليه وسلم- عشر سنين فما بعثني في حاجةٍ لم أُتِـمَّها إلا قال: «لو قُضِيَ لكان» أو «لو قُدِّر لكان»([22])، ومع هذا فقد كان يأخذ بالأسباب. وكان لا يغدر وينهى عن الغدر، وقد حفظه الله تعالى من أمور الجاهلية قبل الإسلام([23])، ورعى الغنم في صغره وما من نبيٍّ إلاّ رعاها([24])، وكان الحجر يسلم عليه قبل البعثة([25]).

وله –صلى الله عليه وسلم-  أسماء، قال –صلى الله عليه وسلم-  : «أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عَقِبِي([26])، وأنا العاقب»، والعاقب الذي ليس بعده نبي([27]).

وقال –صلى الله عليه وسلم- : «أنا محمد، وأحمد، والمُقفِّي([28])، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة»([29])، وكنيته أبو القاسم([30])، بعثه الله ليتَمِّمَ مكارم الأخلاق([31]).



([1])  ولهذا قال عبد الله بن الشَّخِّير: أتيت رسول الله –صلى الله عليه وسلم-  وهو يصلي ولجوفه أزيزٌ كأزيز المِرجل من البكاء، أبو داود برقم 904، وصححه الألباني في مختصر الشمائل برقم 276, ومعنى: أزير المرجل: أي غليان القدر.

([2])  أحمد 3/398، وابن ماجه برقم 246, والحاكم 4/481، وابن حبان موارد 2099 , وانظر: الأحاديث الصحيحة برقم 1557.

([3])  البائن: أي ليس بالطويل الطول الظاهر.

([4])  الأمهق: أي ليس بالأبيض شديد البياض، وإنما أبيض مشرب بالحمرة.

([5])  الأدم: الأسمر.

([6])  القطط: الشعر فيه التواء وانقباض.

([7])  السبط: الشعر المسترسل.

([8]) مختصر شمائل، الترمذي برقم 1، وصححه الألباني. وهو في البخاري برقم 3549.

([9])  البخاري، برقم 5908.

([10])  مسلم، برقم 2340.

([11])  عظيم الأصابع غليظها من الكفين والقدمين.

([12])  الكراديس: رؤوس العظام.

([13])  المَسرَبة: الشعر الدقيق الذي يبدأ من الصدر وينتهي بالسرة.

([14])  الصبب: انخفاض من الأرض.

([15])  الترمذي في الشمائل، وصححه الألباني في مختصر الشمائل، برقم 43، ص45 .

([16])  الترمذي في الشمائل، وصححه الألباني في مختصر الشمائل، برقم 44، ص45 .

([17])  مختصر الشمائل للترمذي، اختصره وصححه الألباني، برقم 34، 35.

([18])  ثياب من نوع بُرُود اليمن، والبُرد: ثوب مخطط، ومحبّرة مزينة.

([19])  مختصر شمائل الترمذي، برقم 97، وصححه الألباني.

([20])  مختصر شمائل الترمذي برقم 188، وصححه الألباني.

([21])  أحمد، 3/134 .

([22])  أحمد، 1/352 وهو صحيح.

([23])  البخاري، برقم 3829، وأحمد 4/222 .

([24])  البخاري، برقم 2262، ورقم 3406 .

([25])  مسلم، برقم 2277 .

([26])  أي يحشر الناس على أثره، النهاية.

([27])  البخاري، برقم 3532، ومسلم برقم 2354 .

([28])  المقفّي: الذي قفى آثار من سبقه من الأنبياء âثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا...á. [انظر: زاد المعاد، لابن القيم، 1/94].

([29])  مسلم، برقم 2355، وشمائل الترمذي برقم 316 ((مختصر الألباني)).

([30])  البخاري، برقم 3537، ومسلم، 3/1682 .

([31])  أحمد، 2/381، برقم 8939 .

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 262 زوار و 10 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول