تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم (2)

تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم (2)

وقال: «حق المسلم على المسلم ست»، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: «إذا لقيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمِّته، وإذا مرض فعُده، وإذا مات فاتبعه»([23]).

وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع: «أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي, وإفشاء السلام، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم، ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن الشُّرب في الفضة» – أو قال: «في آنية الفضة – وعن المياثر([24])، والقسي([25])، وعن لبس الحرير، والديباج([26])، والإستبرق»([27]).

وقال: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أَوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم»([28]).

وسئل صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ فقال: «تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف»([29]).

ويقول: «مَثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»([30]).

وقال صلى الله عليه وسلم: «من لا يرحَم لا يُرحم»([31]).

وقال: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله عز وجل»([32]).

وقال صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر»([33]).

وسواء وصلت هذه النصوص للأنصار من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، أو سمعوا بعضها من المهاجرين الذين سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة، فكل ذلك تربية منه صلى الله عليه وسلم لأصحابه جميعاً، ولمن بلغته هذه النصوص إلى يوم الدين.

وغير ذلك من النصوص التي ربّى بها محمد صلى الله عليه وسلم أصحابه فقد كان يحثهم على الإنفاق، ويذكر من فضائله ما يشوِّق النفوس والقلوب، وكان يحث على الاستعفاف عن المسألة، ويذكر لهم فضل الصبر والقناعة، وكان يرغبهم في العبادات بما فيها من الفضائل والأجر والثواب، وكان يربطهم بالوحي النازل من السماء ربطاً موثقاً يقرؤه عليهم ويقرؤونه؛ لتكون هذه الدراسة إشعاراً بما عليهم من حقوق الدعوة، فضلاً عن ضرورة الفهم والتدبر.

وهكذا رفع صلى الله عليه وسلم معنوياتهم، ودربهم على أعلى القيم والمثل حتى صاروا صورة لأعلى قمة من الكمال الإنساني.

بمثل هذا استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يبني مجتمعاً مسلماً أروع وأشرف مجتمع عرفه التاريخ، وأن يضع لمشاكل هذا المجتمع حلاً بعد أن كان يعيش في ظلمات الجهل والخرافات، فأصبح مجتمعاً يضرب به المثل في جميع الكمال الإنساني، وهذا بفضل الله وحده، ثم بفضل هذا النبي الحكيم، فحَريٌّ بالمسلمين أن يسلكوا مسلكه، ويهتدوا بهديه صلى الله عليه وسلم ([34]).

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

عباد الله! اتقوا الله تعالى، واعلموا أن من الأمور العظيمة توحيد القلوب واجتماعها على التعاون على البر والتقوى، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه رضي الله عنهم فاجتمعت قلوبهم وتوحّدت صفوفهم، فكانوا قوة عظيمة، أمام أعداء الدين، فاقتدوا بنبيكم صلى الله عليه وسلم ، لقول الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}

هذا وصلوا على خير خلق الله نبينا محمد بن عبد الله كما أمركم الله تعالى بذلك فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}([35]) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً»([36]) ، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، {رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}([37]) ، عباد الله! {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}([38])، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}([39]).

([23])  البخاري  مع الفتح بنحوه في كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز 3/112 (رقم 1240)، ومسلم في كتاب السلام، باب من حق المسلم على المسلم رد السلام (4/1705)، برقم 2162 .

([24])  المياثر: سروج من الديباج أو الحرير. الفتح 10/293.

([25])  ثياب مضلعة بالحرير: أي فيها خطوط منه. الفتح 10/293.

([26])  الديباج والإستبرق: صنفان من الحرير. انظر: فتح الباري 10/307.

([27])  البخاري مع الفتح، في كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز 3/112 (رقم 1239)، 5/99، 9/240، 10/96، وانظر مواضع الحديث في البخاري مع فتح الباري 3/112.

([28])  مسلم، في كتاب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون 1/74 (رقم 54).

([29])  البخاري مع الفتح في كتاب الإيمان، باب إطعام الطعام من الإسلام 1/55 (رقم 12)، ومسلم في الإيمان باب بيان تفاضل الإسلام 1/65 (رقم 39).

([30])  البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم 10/438 (رقم 6011)، ومسلم في كتاب البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم 4/2000 (رقم 2586).

([31])  البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم 10/438 (رقم 6013)، ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته r الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك 4/1809 (رقم 2319).

([32])  مسلم، في كتاب الفضائل، الباب السابق 4/1809.

([33])  البخاري مع الفتح، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر 1/110 (رقم 48)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان قول النبي r : ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) (رقم 64).

([34])  انظر: الرحيق المختوم، ص183.

([35])  سورة الأحزاب، الآية: 56 .

([36])  مسلم، برقم 384 .

([37])  سورة البقرة، الآية : 202 .

([38])  سورة النحل : الآية : 90 .

([39])  سورة العنكبوت: الآية : 45.

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 162 زوار و 3 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول