نسبه ونشأته صلى الله عليه وسلم (2)

نسبه ونشأته صلى الله عليه وسلم (2)

وجاءه جبريل في غار حراء، فقال له: اقرأ، فقال: «لست بقارئ»، قال: اقرأ قال: «لست بقارئ» فغتَّه([20]) حتى بلغ منه الجهد، فقال له: اقرأ، فقال: «لست بقارئ» فقال: {اقْرَ‌أْ بِاسْمِ رَ‌بِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَ‌أْ وَرَ‌بُّكَ الْأَكْرَ‌مُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} ([21])، وبهذه السورة كان صلى الله عليه وسلم نبيًّا، ثم رجع صلى الله عليه وسلم إلى خديجة رضي الله عنها يرجفُ فؤادُهُ فدخل عليها وقال: «زملوني زمِّلوني» فزمَّلوه([22]) حتى ذهب عنه الرَّوعُ، فأخبر خديجة الخبر، فقالت خديجة رضي الله عنها: (كلا واللهِ ما يُخزيك اللهُ أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمِل الكلَّ، وتكسِب المعدوم، وتقري الضيف، وتعينُ على نوائب الحق...) الحديث([23])، ثم أرسله الله تعالى بسورة المدثر إلى الإنس والجن، قال صلى الله عليه وسلم: «بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء فرفعتُ بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرُعبْتُ منه، فرجعت فقلت زمِّلوني، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِر} إلى قوله: {وَالرُّ‌جْزَ فَاهْجُرْ‌} فحميَ الوحيُ وتتابع»([24])، وبهذه السورة كان رسولاً صلى الله عليه وسلم، وقد بعثه الله تعالى بالنذارة عن الشرك، والدعوة إلى التوحيد، فبدأ صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الله تعالى سراً، فأسلم على يديه: السابقون الأولون، وكان أول من أسلم خديجة رضي الله عنها، ثم علي ثم زيد بن حارثة، ثم أبو بكر رضي الله عنهم، ثم دخل الناس في دين الله واحد بعد واحد، حتى فشى الإسلام في مكة، ثم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يجهر بالدعوة فقال: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} ([25])، فدعاهم إلى الله، وصعد على الصفا وقال: «يا بني فهر، يا بني عدي» لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج عليكم بسفح هذا الوادي أكنتم مصدقي؟» قالوا: نعم ما جرَّبنا عليك كذباً، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذابٍ شديد»([26])، وقد ناصبه صناديد قريش ومن معهم العداء، ولكن مع ذلك لم يستطع أحد منهم أن يتهمه بصفة الكذب أو صفة غير لائقة، وقد قال الله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} ([27])، ولو عرفوا خُلُقاً ذميماً – وقد عاش بينهم أربعين عاماً -؛ لأراحهم من التنقيب عن خصلة غير حميدة يتهمونه بها أمام الناس، ووجدوا أن كلمة (ساحر) و(كاهن) هي أنسب الصفات التي يطلقونها عليه؛ حيث يفرق بدعوته إلى الله بين الأب وابنه، والأخ وأخيه، والزوجة وزوجها، واتهموه بالجنون؛ لأنه خالف شركهم ودعا إلى عبادة الله وحده، وتابع دعوته إلى الله في المواسم، والأسواق، وخرج إلى الطائف، وأسلم الجن في طريقه عند رجوعه من الطائف، وحصل له من الأذى الكثير فصبر واحتسب، وبقي في مكة عشر سنين يدعو إلى التوحيد، ثم جاءه جبريل قبل الإسراء، ففرج صدره ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطستٍ ممتلئ حكمة وإيماناً فأفرغه في صدره، ثم أطبقه([28])، وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم شُقَّ صدره ثلاث مرات، الأولى في بني سعد وهو صغير، والثانية عند البعثة فقال: (وثبت شق الصدر أيضاً عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوَّة، فالأول وقع فيه من الزيادة كما عند مسلم من حديث أنس «فأخرج علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك» وكان هذا في زمن الطفولية فنشأ على أكمل الأحوال، من العصمة من الشيطان، ثم وقع شق الصدر عند البعث زيادة في إكرامه؛ ليتلقى ما يُوحى إليه بقلبٍ قويٍّ في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع شق الصدر عند العروج إلى السماء؛ ليتأهب للمناجاة، ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة كما تقرر في شرعه صلى الله عليه وسلم»([29]). ثم أُسري به إلى بيت المقدس، ثم عُرج به إلى السماء إلى مكان يسمع فيه صريف الأقلام فوق السماء السابعة، وفُرِضَت عليه الصلوات الخمس، وصلّى بالأنبياء ركعتين، ورجع قبل أن يُصبح إلى مكة، وصلَّى في مكة ثلاث سنين، وبعدها أُمِر بالهجرة إلى المدينة، فلما استقر بالمدينة([30]) أُمِر ببقية شرائع الإسلام مثل: الزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، والأذان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام، أخذ على هذا عشر سنين وبعدها توفي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين من ربيع الأول على القول المشهور، في السنة الحادية عشرة من الهجرة([31])، وله من العمر ثلاث وستون سنة، منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبياً رسولاً، وقد توفي صلى الله عليه وسلم ودينه باقٍ وهذا دينه، لا خير إلا دلَّ أمته عليه، ولا شر إلا حذَّرها منه، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين لا نبي بعده، وقد بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض الله طاعته على الجن والإنس، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار([32]).

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}([33]) بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

عباد الله!اتقوا الله تعالى، وتعلموا سيرة نبيكم صلى الله عليه وسلم العطرة، فإن من لم يعرفه، وما هو عليه من الخلق العظيم لا يُحبه، وهذا يبين أن معرفته صلى الله عليه وسلم واجبة على كل مسلم ومسلمة.

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}([34]) ، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال:  {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}([35]) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً»([36]) ، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}([37]) ، عباد الله! {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}([38])، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}([39]).

([20])  غته: حبس أنفاسه، وفي رواية البخاري: ((غطني)) ومعناه: ضمَّني وعصرني.

([21])  سورة العلق، الآيات: 1-5.

([22])  زمِّلوني: أي غطُّوني أو لُفُّوني بثوبٍ أو نحوه.

([23])  البخاري، برقم 3، ومسلم، برقم 160 .

([24])  البخاري، برقم 4.

([25])  سورة الشعراء، الآيات: 214-216.

([26])  البخاري، برقم 4971، ومسلم  /194 – (برقم 208).

([27])  سورة الأنعام، الآية: 33.

([28])  البخاري، برقم 349، ومسلم برقم 163.

([29])  فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 7/204-205.

([30]) وصل إلى المدينة صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين من شهر ربيع الأول وحدده بعضهم باليوم الثاني عشر من ربيع الأول، انظر: فتح الباري 7/224.

([31])  انظر: البداية والنهاية لابن كثير، 5/255، وتهذيب السيرة للنووي ص25، وفتح الباري لابن حجر 8/129.

([32]) انظر: صحيح البخاري، برقم 3851، والأصول الثلاثة للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص75، 76.

([33])  سورة التوبة، الآية: 128 .

([34])  سورة الأحزاب، الآية: 21 .

([35])  سورة الأحزاب، الآية: 56 .

([36])  مسلم، برقم 384 .

([37])  سورة البقرة، الآية : 202 .

([38])  سورة النحل : الآية : 90 .

([39])  سورة العنكبوت: الآية : 45.

 

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 237 زوار و 3 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول