نسبه ونشأته صلى الله عليه وسلم (1)

نسبه ونشأته صلى الله عليه وسلم (1)

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليماً كثيراً، أَمّا بعد:

عباد الله اتقوا الله تعالى، واعلموا أنه يجب على كل مسلم ومسلمة معرفة نبيه صلى الله عليه وسلم ، التي هي أحد الأصول الثلاثة، التي يُسأل عنها في قبره.

فهو محمد بن عبد الله، بن عبد المطلب، بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام([1]).

ولد صلى الله عليه وسلم عام الفيل بمكة في شهر ربيع الأول([2]) يوم الاثنين([3]) الموافق 571م([4]).

وقدنشأ النبي صلى الله عليه وسلم يتيماً فآواه الله تعالى، وعائلاً فأغناه الله، فقد تُوفِّي والده عبد الله وهو صلى الله عليه وسلم حملٌ في بطن أمه، وأرضعته ثُويْبَةُ أيَّاماً([5]) وهي مولاة لأبي لهبٍ، ثم أرضعته حليمة السعدية في البريَّة، وأقام عندها في بني سعدٍ نحواً من أربع سنين، وَشُقَّ عن فُؤاده هناك وهو يلعب مع الغلمان، فعن أنس رضى الله عنه : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب فاستخرج منه علقةً فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طستٍ([6]) من ذهب بماء زمزم ثم لامَهُ([7]) ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه (يعني ظئره)([8]) فقالوا: إن محمداً قد قُتِلَ، فاستقبلوه وهو مُنتقع اللَّون([9]) قال أنسٌ: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره»([10]) وعند هذه الحادثة العظيمة خافت عليه حليمة السعدية رضي الله عنها، فردّته إلى أمه آمنة بنت وهب، فخرجت به أمه إلى المدينة، تزور أخواله، ثم رجعت متجهة إلى مكة فماتت في الطريق بالأبواء، بين مكة والمدينة، وعمره صلى الله عليه وسلم ست سنين وثلاثة أشهر وعشرة أيام([11]) ولما ماتت أمه كفله جده عبد المطلب، فلما بلغ ثماني سنين توفي جده وأوصى به إلى عمه أبي طالب؛ لأنه كان شقيق عبد الله بن عبد المطلب فكفله، وأحاطه أتمَّ حياطة، ونصره حين بعثه الله، أعزَّ نصرٍ، مع أنه كان مستمراً على شركه إلى أن مات، فخفَّفَ الله بذلك من عذابه بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم : «هو في ضحْضاحٍ من النار، ولولا أنا لكان في الدَّرْكِ الأسفلِ من النار». وفي لفظٍ: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامةِ فيُجعلُ في ضحْضاحٍ من النارِ يبلغ كعبَيه، يغلي منه دِمَاغُه»([12])، وخرج مع عمِّه أبي طالب إلى الشام في تجارةٍ، وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وذلك من تمام لطفه به؛ لعدم من يقوم به إذا تركه بمكة، فَرَأَى عبد المطلب وأصحابه ممن خرج معه إلى الشام من الآيات فيه صلى الله عليه وسلم ما زاد عمَّه في الوصاة بِهِ، والحرص عليه، فعن أبي موسى الأشعري صلى الله عليه وسلم قال: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخٍ من قريشٍ، فلما أشرفوا على الراهب هبطُوا فحلُّوا رحالهم، فخرج إليهم الرّاهبُ، وكانوا قبل ذلك يمرُّون به فلا يخرج إليهم، ولا يلتفتُ، قال: فهم يحلُّون رِحالهم فجعل يتخلَّلهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: «هذا سيدُ العالَـمِين، هذا رسولُ ربِّ العالمين، يبعثه الله رحمةً للعالمين، فقال له أشياخٌ من قريش ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبقَ شجرٌ ولا حجرٌ إلا خرَّ ساجداً، ولا يسجدان إلا لنبي، وإنِّي أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروفِ كتفهِ مثل التُّفَّاحة...» الحديث وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أظلته غمامةٌ ومالت الشجرة بظلها عليه([13]) وأمر الراهب أبا طالب بالرجوع به إلى مكة؛ لئلا يراه اليهود؛ فيحصل له منهم سوء، فأرسل به عمه إلى مكة، ثم أرسلت به خديجة بنت خويلد في تجارةٍ لها إلى الشام مع غلامها ميسرة، فربحت تجارة خديجة رضي الله عنها، فرأى ميسرة ما بهره من شأنه، فرجع فأخبر سيدته بما رأى، فرغبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها، لِـمَا رجَتْ في ذلك من الخير الذي جمعه الله لها، وفوق ما يخطر بِبَالِ بشر، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله من العمر خمس وعشرون سنة، وكان عمرُ خديجة أربعون سنة([14])، وقد حماه الله تعالى من صغره من دنس الجاهلية، ومن كلِّ عيب، فلم يُعظِّم لهم صنماً في عمره قط، ولم يحضر مشهدا ًمن مشاهد كفرهم، وكانوا يطلبونه بذلك فيمتنع، ويعصمه الله من ذلك، وما شرب خمراً قط، وما عمل فاحشة قط، وكان يعلم بأنهم على باطل، ولم يشرك بالله قطٌّ، ولم يحضر مجلس لهوٍ([15])، ولم يعمل شيئاً مما كان يعمله قومه من الفواحش والمنكرات، فقد نشأ في مجتمعٍ كَثُرت فيه المفاسد وعمت فيه الرذائل، فالشرك بالله تعالى، ودعاء غيره معه، وقتل الأنفس بغير حق، والظلم، والبغاء، والاستبضاع، والزنى الجماعي، والأفرادي، ونكاح أسبق الرجال ممن مات زوجها، والاعتداء على الأعراض، والأموال، والدماء، كل ذلك كان شائعاً في قومه قبل الإسلام، لا ينكره أحد، ولا تحاربه جماعة، بالإضافة إلى وَأْدِ البناتِ، وقتل الأولاد خشية الفقر، أو العار، ولعب الميسر، وشرب الخمر، أمور تعدُّ في الجاهلية من المفاخر، والتباهي، وليس من شرط أن يكون المجتمع كلُّه يرتكب هذه الجرائم، وإنما عدم إنكارها هو دليل على الرضى بها، والنبي صلى الله عليه وسلم لم  يعمل أي عمل أو يباشر أيَّ خُلقٍ من هذه الأخلاق الرذيلة، وقد أدَّبه ربُّهُ فأحسن تأديبه([16])، وهذه الأخلاق التي اتصف بها قد عرفها قومه منه؛ ولهذا لُقِّب بين قومه «بمحمدٍ الأمين»([17]).

وقد بنت قريش الكعبة في سنة خمس وثلاثين من عمر النبي صلى الله عليه وسلم، وعندما وصلوا إلى موضع الحجر الأسود اختلفوا، واشتجروا فيمن يضع الحجر الأسود موضعه، فقالت كلُّ قبيلةٍ: نحن نضعه، ثم اتفقوا على أن يضعه أَوَّلُ داخلٍ عليهم، فكان أول من دخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففرِحوا به كثيراً، فقالوا: جاء الأمين، فرضوا به أن يكون حكماً بينهم؛ ليحلّ النزاع ويقف القتال الذي كاد أن يحصل، فأمر صلى الله عليه وسلم بثوبٍ فَوُضِعَ الحجر في وسطه، وأمر كلَّ قبيلة أن ترفع بجانب من جوانب الثوب، ثم أخذ الحجر فوضعه بيديه في موضعه صلى الله عليه وسلم ([18]).

وبعد ذلك حبب الله إليه الخلوة والانعزال عن الناس؛ لكي يتعبد لله تعالى، وكان يخلو بغار حراء يتعبد لله تعالى على ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ولما كمَّل الأربعين أكرمه الله تعالى بالنبوّة، ولا خلاف أن مبعثه كان يوم الإثنين، وقيل بأن الشهر كان ربيع الأول سنة إحدى وأربعين لثمانٍ خلون منه، من عام الفيل وهذا قول الأكثرين([19]).



([1]) انظر نسب النبي صلى الله عليه وسلم إلى آدم: البداية والنهاية لابن كثير 2/195، وسيرة ابن هشام 1/1، قال ابن القيم عن نسبه صلى الله عليه وسلم إلى عدنان: (إلى هاهنا معلوم الصحة متفق عليه بين النسَّابين، ولا خلاف فيه البتَّة، وما فوق عدنان مختلف فيه، ولا خلاف بينهم أن "عدنان" من ولد إسماعيل عليه السلام، وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم [زاد المعاد، 1/71].

([2]) هذا هو الصحيح المشهور أنه ولد صلى الله عليه وسلم عام الفيل في شهر ربيع الأول، وقد نقل بعضهم الإجماع على ذلك، انظر: تهذيب السيرة للإمام النووي ص 20.

([3]) التحديد بيوم الإثنين ثابت؛ لقوله صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن صومه: ((فيه ولدت وفيه أُنزِل عليَّ)) مسلم 2/820. أما تحديد تاريخ اليوم ففيه عدة أقوال: فقيل في اليوم الثاني، وقيل لثمانٍ، وقيل لعشر، وقيل: لسبعة عشر، وقيل في الثاني عشر، وقيل غير ذلك، وأشهر وأقرب الأقوال قولان: الأول: أنه ولد لثمانٍ مضين من ربيع الأول، ورجحه ابن عبد البر عن أصحاب التأريخ: انظر: البداية والنهاية 2/260 وقال: "هو أثبت". القول الثاني: أنه ولد في الثاني عشر من ربيع الأول، قال ابن كثير في البداية والنهاية: "وهذا هو المشهور عند الجمهور" 2/260، وجزم به ابن إسحاق: انظر: سيرة ابن هشام 1/171.

([4]) انظر: الرحيق المختوم ص 53.

([5])  البخاري مع الفتح، 9/124.

([6])  طستٍ: إناء كبير مستدير [فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 1/460].

([7])  لامه: جمعه وضم بعضه على بعضٍ [شرح النووي على صحيح مسلم ].

([8])  ظِئره: هي المرضعة، ويقال أيضا لزوج المرضعة [شرح النووي ].

([9])  منتقع اللون: أي متغير اللون [شرح النووي على صحيح مسلم ].

([10])  مسلم، برقم 261-(162) وانظر: البداية والنهاية لابن كثير، بتحقيق الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، 3/413.

([11])  البداية والنهاية، 4/423، والفصول في سيرة الرسول r ، لابن كثير، ص92 وقد ماتت أمه وأبوه انظر: صحيح مسلم، برقم 203 (على دين الجاهلية ولا حول ولا قوة إلا بالله).

([12]) البخاري، برقم 3883، 3884، و3885، 6208، 6572، ومسلم، برقم 209 .

وانظر: الفصول لابن كثير، ص93، والبداية والنهاية، 5/431-434.

([13])  الترمذي برقم 3620، وقال عنه ابن كثير في الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ص94: ((بإسناد رجاله كلهم ثقات)) وصححه الألباني في صحيح الترمذي، برقم 3620، في فقه السيرة للغزالي ص68 وقال: ((إسناده صحيح)) وقال: لكن ذِكر بلال فيه منكر كما قيل قال: ((قلت: وقد رواه البزار فقال: وأرسل معه عمه رجلاً)).

([14])  قاله ابن القيم في زاد المعاد، 1/105، وقال ابن كثير في البداية والنهاية 3/466: ((وكان عمرها آنذاك خمساً وثلاثين وقيل: خمساً وعشرين)).

([15])  الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، لابن كثير، ص91-95، والبداية والنهاية، 3/406-451، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي، 1/24.

([16])  لم يثبت ((أدّبني ربي فأحسن تأديبي)) لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية في =         = مجموع الرسائل الكبرى، 2/336: ((معناه صحيح ولكن لا يعرف له إسناد ثابت))، وأيده السخاوي والسيوطي، فراجع كشف الخفاء 1/70. انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني برقم 72.

([17])  أحمد في المسند، 3/425، وحسنه الألباني في تخريج فقه السيرة لمحمد الغزالي، ص84.

([18])  الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لابن كثير، ص95.

([19])  زاد المعاد لابن القيم، 1/78، قال: وقيل: (( كان ذلك في رمضان، وقيل كان ذلك في رجب)).


عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 185 زوار و 5 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول