حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته (1)

حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته (1)

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، وسَلّم تسليماً كثيراً، أَمّا بعد:

عباد الله! اتقوا الله تعالى كما أمركم بذلك، فقال سبحانه:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}

عباد الله! اعلموا أن الله تعالى أوجب علينا حقوقاً، ومن أهم هذه الحقوق بعد حق الله تعالى حقوق رسول عليه الصلاة والسلام علينا وعلى جميع الأمة.

فللنبي الكريم صلى الله عليه وسلم حقوق على أمته وهي كثيرة, منها: الإيمان الصادق به صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً وتصديقه في كل ما جاء به صلى الله عليه وسلم، ووجوب طاعته والحذر من معصيته صلى الله عليه وسلم، ووجوب التحاكم إليه والرضى بحكمه, وإنزاله منزلته صلى الله عليه وسلم بلا غلوٍّ ولا تقصير, واتباعه واتخاذه قدوة وأسوة في جميع الأمور, ومحبته أكثر من النفس, والأهل والمال والولد والناس جميعاً, واحترامه وتوقيره ونصر دينه والذب عن سنته صلى الله عليه وسلم , والصلاة عليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه: خلق آدم, وفيه النفخة, وفيه الصعقة, فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة عليَّ» فقال رجل: يا رسول الله! كيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يعني بليت. قال: «إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء»([1]).

وهذه الحقوق التي أوجبها الله علينا بإيجاز على النحو الآتي:

*  الإيمان الصادق به صلى الله عليه وسلم وتصديقه فيما أتى به قال تعالى:{ فَآمِنُوا بِاللَّـهِ وَرَ‌سُولِهِ وَالنُّورِ‌ الَّذِي أَنزَلْنَا ۚ وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ‌}([2]) (وقال صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويُؤمنوا بي وبما جئت به»([3]).

والإيمان به صلى الله عليه وسلم هو تصديق نبوته, وأن الله أرسله للجن والإنس, وتصديقه في جميع ما جاء به وقاله, ومطابقة تصديق القلب بذلك شهادة اللسان, بأنه رسول الله, فإذا اجتمع التصديق به بالقلب والنطق بالشهادة باللسان ثم تطبيق ذلك العمل بما جاء به تمَّ الإيمان به صلى الله عليه وسلم.

*  ومن حقوقه عليه الصلاة والسلام وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم والحذر من معصيته, فإذا وجب الإيمان به وتصديقه فيما جاء به وجبت طاعته؛ لأن ذلك مما أتى به, قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَ‌سُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ} ([4]{وَمَا آتَاكُمُ الرَّ‌سُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} ([5]) قُلْ أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّ‌سُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّ‌سُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} ([6])

وقال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ‌ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِ‌هِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم}([7])

وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله»([8])، وعنه صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: «كل الناس يدخل الجنة إلا من أبى» قالوا يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى»([9]).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له, وجُعِلَ رزقي تحت ظلِّ رمحي, وجُعِلَ الذِّلُّ والصَّغارُ على من خالف أمري, ومن تشبه بقوم فهو منهم»([10]).

*  ومن حقوقه صلى الله عليه وسلم اتباعه واتخاذه قدوة في جميع الأمور والاقتداء بهديه, قال تعالى: { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّـهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ وَيَغْفِرْ‌ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّـهُ غَفُورٌ‌ رَّ‌حِيمٌ}([11]) {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَ‌سُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْ‌جُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ‌ وَذَكَرَ‌ اللَّـهَ كَثِيرً‌ا}([12]) فيجب السير على هديه والتزام سنته والحذر من مخالفته, قال صلى الله عليه وسلم: «فمن رغب عن سنتي فليس مني»([13]).

*  ومن حقوقه صلى الله عليه وسلم محبته أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين, قال الله تعالى: { قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَ‌تُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَ‌فْتُمُوهَا وَتِجَارَ‌ةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْ‌ضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّـهِ وَرَ‌سُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَ‌بَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّـهُ بِأَمْرِ‌هِ ۗ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}([14])

وعن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»([15]).

ولما قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه : يا رسول الله لأنت أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك»، فقال له عمر فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «الآن يا عمر»([16]), وعن ابن مسعود رضى الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف تقول في رجل أحب قوماً ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «المرء مع من أحب»([17]).

وعن العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً, وبالإسلام ديناً, وبمحمد رسولاً»([18]).

وقال صلى الله عليه وسلم : «ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجد بِهِنَّ حلاوة الإيمان: من كان اللهُ ورسولهُ أَحبّ إليه مما سواهما, وأن يُحِبَّ المرء لا يُحِبّه إلا لله, وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار»([19]).

ولاشك أن من وفَّقه الله تعالى لذلك ذاق طعم الإيمان ووجد حلاوته, فيستلذ الطاعة ويتحمل المشاق في رضى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه رضي به رسولاً، وأحبه، ومن أحب النبي صلى الله عليه وسلم من قلبه صدقاً أطاعه صلى الله عليه وسلم ؛ ولهذا قال القائل:

تعصي الإله وأنت تُظْهر حُبَّهُ

  هذا لعمري في القياسِ بديعُ

لو كان حُبَّكَ صادقاً لأطعته

  إن المُحبَّ لمن يُحِبُّ مُطيعُ([20]




([1])  أبو داود 1/275, برقم 1047، وابن ماجه 1/524, برقم 1636، والنسائي 3/91, برقم 374، وصححه الألباني في صحيح النسائي 1/197.

([2])  مسلم 1/52 ، برقم 21 .

([3])  مسلم 1/52 ، برقم 21 .

([4])  سورة الأنفال, الآية: 20.

([5])  سورة الأنفال, الآية: 20.

([6])  سورة الأنفال, الآية: 20.

([7])  سورة الأنفال, الآية: 20.

([8])  البخاري مع الفتح 13/111 برقم 7137.

([9])  البخاري مع الفتح 13/249 برقم 7280.

([10])  أحمد في المسند 1/92, والبخاري مع الفتح معلقاً 6/98, وحسّنه العلامة ابن باز, وانظر: صحيح الجامع 3/8.

([11])  أحمد في المسند 1/92, والبخاري مع الفتح معلقاً 6/98, وحسّنه العلامة ابن باز, وانظر: صحيح الجامع 3/8.

([12])  أحمد في المسند 1/92, والبخاري مع الفتح معلقاً 6/98, وحسّنه العلامة ابن باز, وانظر: صحيح الجامع 3/8.

([13])  البخاري مع الفتح 9/104 برقم 5063.

([14])  البخاري مع الفتح 9/104 برقم 5063.

([15])  البخاري مع الفتح 1/58 برقم 15, ومسلم 1/67 ، برقم 44 .

([16])  البخاري مع الفتح 11/523، برقم 6632 .

([17])  البخاري مع الفتح 10/557، برقم 6168 .

([18])  مسلم في صحيحه 1/62، برقم 34 .

([19])  البخاري مع الفتح 1/72, برقم 21، ومسلم 1/66 ، برقم 43 .

([20])  الشفاء بتعريف حقوق المصطفى r 2/549 و2/563.


عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 104 زوار و 2 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول