النبيُّ الكريم صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين (2)

                              النبيُّ الكريم صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين (2)

 ورحمته صلى الله عليه وسلم للأسرى : فعن أبي موسى رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فُكُّوا العاني -يعني الأسير- وأطعموا الجائع، وعُودوا المريض»([34])، وهذا الحديث فيه رحمة النبي صلى الله عليه وسلم للأسرى المسلمين، والأمر بفَكِّهم، والأمر بإطعام الجائع، وعيادة المريض

*  ورحمته صلى الله عليه وسلم للمرضى والشفقة عليهم: فعن ثوبان رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عاد مريضاً لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع» قيل: يا رسول الله! وما خرفة الجنة؟ قال: «جناها»([35]). وعن علي رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من مسلم يعودُ مسلماً غدوة إلا صلَّى عليه سبعون ألف ملكٍ حتى يُمسي، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يُصبح، وكان له خريفٌ في الجنة»([36]). وعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن عاد مريضاً لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلاّ عافاه الله من ذلك المرض»([37]).

*  ورحمته صلى الله عليه وسلم للحيوان، والطير، والدواب: فعن أبي هريرة أن رجلاً وجد كلباً يأكل الثرى من العطش، فسقاه فغفر الله له، قالوا: يا رسول الله! وإنَّ لنا في البهائم أجراً؟ قال: «في كُلِّ كبدٍ رطبة أجر» وفي لفظ للبخاري: «فشكر الله له فأدخله الجنة»([38]). وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه مرَّ بصبيانٍ من قريش قد نصبوا طيراً أو دجاجةً يترامونها، وقد جعلوا لصاحب الطير كلَّ خاطئةٍ من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرَّقَوا فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن من اتخذ شيئاً فيه الروحُ غرضاً»([39]) ([40]). وعن ابن مسعود رضى الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ، فانطلق لحاجته فرأينا حُـمَّرةً([41]) معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحُمَّرةُ فجعلت تَفرش [أي تُرَفرِفُ بجناحيها وتقرب من الأرض] فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «من فَجعَ هذه بولدها؟ ردُّوا ولدها إليها» ورأى قرية نملٍ([42]) قد حرَّقناها فقال: «مَن حرَّق هذه؟» قلنا: نحن، قال: «إنه لا ينبغي أن يُعَذِّب بالنار إلا ربُّ النار»([43]). وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مَرَّ على حمارٍ قد وُسِمَ في وجهِهِ فقال: «لعن الله الذي وسمه»([44]) [الوسم الكي بحديدة]. وعنه رضى الله عنه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضرب في الوجهِ، وعن الوسم في الوجه([45]). وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خلفه، وفيه: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطاً لرجلٍ من الأنصار فإذا جملٌ فلمَّا رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم حَنَّ وذرفت عيناه، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فمسح ذفراه([46]) فسكت، فقال: «من ربُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟» فجاء فتىً من الأنصارِ فقال: لي يا رسول الله، فقال: «أفلا تتقي الله في هذه البهيمةِ التي ملَّكَكَ الله إيَّاها؛ فإنه شكا إليَّ أنَّك تُجيعه وتُدئبُهُ»([47]). ([48])

*  ومما يدل على رحمته العظيمة رقة قلبه صلى الله عليه وسلم وبُكاؤه في مواطن كثيرة: ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يبكي بشهيقٍ ورفع صوتٍ، كما لم يكن ضحكه قهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تَهمُلا ويُسْمَعُ لصدره أزيز، وكان بكاؤُه تارة رحمة للميت، وتارة خوفاً على أمته وشفقة عليها، وتارة من خشية الله تعالى، وتارة عند سماع القرآن وهو بكاء اشتياقٍ ومحبةٍ وإجلالٍ([49]).([50])

*  ومن رحمته صلى الله عليه وسلم تلطفه صلى الله عليه وسلم بالأطفال وإدخال السرور عليهم: فعن محمود بن الرُّبيع رضى الله عنه قال: (عَقلتُ من النبي صلى الله عليه وسلم مَـجَّةً مجَّها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلوٍ)([51]). وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن ابن عليٍّ وعنده الأقرع بن حابسٍ التميمي جالساً،  فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلتُ منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «من لا يَرْحم لا يُرحم»([52]).

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَ‌سُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِ‌يصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَ‌ءُوفٌ رَّ‌حِيمٌ}([53]) بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: عباد الله! اتقوا الله تعالى، واقتدوا بنبيكم الكريم الرحيم، فإن الله تعالى أرسله رحمة للعالمين، كما قال تعالى: ً{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}([54]) ،، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال:{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}([55]) ،، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً»([56]) ، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا،{اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ‌ ۗ وَلَذِكْرُ‌ اللَّـهِ أَكْبَرُ‌ ۗ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}


([34])   البخاري، برقم 3046 .

([35])   مسلم، برقم 2568 .

([36])   الترمذي، برقم 969، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، 1/497 .

([37])   أبو داود، برقم 3106، والترمذي برقم 2083، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم 3160 .

([38])   البخاري، برقم 173، 2466، ومسلم، برقم 2244 .

([39])   الغرض: بفتح الغين المعجمة والراء: هو ما ينصبه الرماة يقصدون إصابته من قرطاس ونحوه. [الترغيب والترهيب للمنذري، 3/153].

([40])   البخاري، برقم 5515، ومسلم، برقم 1958 .

([41])   حُمَّرةٌ: بضم الحاء وتشديد الميم، وقد خُفِّف: طائر صغير، كالعصفور أحمر اللون. [النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، 1/439].

([42])   قرية نملٍ: موضع النمل مع النمل.

([43])   أبو داود، برقم 2675، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، 2/146.

([44])  مسلم، برقم 2117 .

([45])   مسلم، برقم 2116 .

([46])   ذفراه: ذفرا البعير بكسر الذال المعجمة مقصور: هي الموضع الذي يعرق في قفا البعير عند أذنه، وهما ذفران. [ الترغيب والترهيب للمنذري، 3/157].

([47])   تُدْئِبُهُ: بضم التاء ودال مهملة ساكنة، بعدها همزة مكسورة، وباء موحدة: أي تتعبه بكثرة العمل. [الترغيب والترهيب للمنذري، 3/157].

([48])   أحمد، 1/205، وأبو داود، برقم 2549، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، 2/110.

([49])   انظر: زاد المعاد، لابن القيم، 1/183 .

([50])   انظر: رحمة للعالمين للمؤلف ص83-93 فقد ذكرت فيها ستة عشر موضعاً بكى فيها النبي r .

([51])  البخاري، برقم 77، ومسلم، 1/456، برقم 265 – (33).

([52])  البخاري، برقم 5997.

([53])  سورة التوبة، الآية: 128 .

([54])  سورة الأحزاب، الآية: 21 .

([55])  سورة الأحزاب، الآية: 56 .

([56])  مسلم، برقم 384 .

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 168 زوار و 5 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول