اجتهاد النبيِّ صلى الله عليه وسلم في عبادته وجهاده (2)

 اجتهاد النبيِّ صلى الله عليه وسلم في عبادته وجهاده(2) 

وكان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خُلُقاً؛ لأن خُلُقَهُ القرآن، لقول عائشة رضي الله عنها: «كان خلقه القرآن»([26])؛ ولهذا قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»([27]).

وكان صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا، فقد ثبت عنه أنه اضطجع على الحصير فأثَّر في جنبه، فدخل عليه عمر ابن الخطاب، ولما استيقظ جعل يمسح جنبه فقال: رسول الله لو اتخذت فراشاً أوثر من هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «مالي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها»([28]). وقال: «لو كان لي مثلُ أُحُدٍ ذهباً ما يَسُرُّني أن لا يمر عليَّ ثلاثٌ وعندي منه شيء، إلا شيءٌ أرصُدُهُ لدين»([29]).

وعن أبي هريرة صلى الله عليه وسلم قال: (ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قبض)([30]). والمقصود أنهم لم يشبعوا ثلاثة أيام بلياليها متوالية، والظاهر أن سبب عدم شبعهم غالباً كان بسبب قلة الشيء عندهم على أنهم قد يجدون ولكن يؤثرون على أنفسهم([31])؛ ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير)([32]). وقالت: (ما أكل آل محمد صلى الله عليه وسلم أُكلتين في يوم إلا إحداهما تمر)([33]). وقالت: (إنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أُوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار. فقال عروة: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء)([34]). والمقصود بالهلال الثالث: وهو يُرى عند انقضاء الشهرين. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان فراشُ رسول الله من أدَم وحشوُهُ ليفٌ»([35]). ومع هذا كان يقول صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعل رزق آل محمدٍ قوتاً»([36]).

وكان صلى الله عليه وسلممن أورع الناس؛ ولهذا قال: «إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي أو في بيتي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون من الصدقة فَأُلقيها»([37]). وأخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كَخْ كَخْ ارمِ بها أما علمت أنَّا لا نأكل الصدقة؟»([38]).

ومع هذه الأعمال المباركة العظيمة فقد كان صلى الله عليه وسلم يقول: «خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا، وأحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل» وكان آلُ محمد صلى الله عليه وسلم إذا عَمِلُوا عملاً أثبتوه([39]). «وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة داوم عليها»([40]). وقد تقالَّ عبادة النبي صلى الله عليه وسلم نفر من أصحابه رضي الله عنهم وقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال بعضهم: أمَّا أنا فأنا أصلي الليل أبدًا، وقال بعضهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال بعضهم: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً [وقال بعضهم: لا آكل اللحم] فبلغ ذلك النبيصلى الله عليه وسلم فجاء إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني»([41]). والمراد بالسنة الهدي والطريقة لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره. ومع هذه الأعمال الجليلة فقد كانصلى الله عليه وسلم يقول: «سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضل». وفي رواية: «سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيءٌ من الدُّلجة، والقَصْدَ القَصْدَ تبلغوا»([42]). وكان يقول: «يا مقلّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك»([43]). ويقول: «اللهم مصرِّف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك»

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}[44]) بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: عباد الله! اتقوا الله تعالى، واقتدوا بنبيكم الكريم الرحيم، فإن الله تعالى أرسله رحمة للعالمين، كما قال تعالى:
{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }

عباد الله! إن العبد المسلم مأمور بالاقتداء بهذا الرسول الرحيم{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} ([45]) ، هذا وصلوا على الرحمة المهداة كما أمركم الله تعالى بذلك فقال:{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا} ([46]) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً»([47]) ، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه، وارضَ اللهم عن أصحابه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعَنّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أعزّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، اللهم آمِنّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا، وجميع ولاة أمر المسلمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، وأعذهم من عذاب القبر وعذاب النار، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك الهدى والتُّقى، والعفاف والغنى، اللهم اهدنا وسددنا، {رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، عباد الله! {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ([48])، فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم،  {وَاللَّـهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}.([49]).ّ




([26])  مسلم 1/513، برقم 746 .

([27])  البيهقي بلفظه 10/192، وأحمد 2/381، وانظر: الصحيحة للألباني رقم 45.

([28])  الترمزي وغيره، وانظر: الأحاديث الصحيحة برقم 439، وصحيح الترمذي 2/280.

([29])  البخاري برقم 2389، ومسلم برقم 991.

([30])  البخاري مع الفتح 9/517 و549، برقم 5374 .

([31])  انظر فتح الباري 9/517 و549 برقم 5374، ومن حديث عائشة رضي الله عنها برقم 5416.

([32])  البخاري مع الفتح 9/549، برقم 5414 .

([33])  البخاري مع الفتح 11/282، برقم 6455 .

([34])  البخاري مع الفتح 11/283، برقم 6459 .

([35])  البخاري مع الفتح 11/282، برقم 6456.

([36])  البخاري مع الفتح 11/283، برقم 6460، ومسلم برقم 1055 والقوت: هو ما يقوت البدن من غير إسراف وهو معنى الرواية الأخرى عند مسلم "كفافاً" ويكف عن الحاجة، وقال أهل اللغة: القوت: هو ما يسد الرمق، وفي الكفاف سلامة من آفات الغنى والفقر جميعاً والله أعلم. الفتح 11/293، وشرح النووي 7/152, والأبي 3/537.

([37])  مسلم 2/751، برقم 1070 .

([38])  مسلم 2/751، برقم 1069 .

([39])  البخاري مع الفتح 4/213، برقم1970، 11/294، برقم 6465، ومسلم 1/541، 2/811، برقم 782 .

([40])  البخاري مع الفتح 4/213، برقم 1970، وانظر: صحيح البخاري حديث رقم 6461 – 6467.

([41])  البخاري مع الفتح 9/104، برقم 5063، ومسلم 2/1020، برقم 1401، وما بين المعكوفين من رواية مسلم.

([42])  البخاري برقم 6463، 6464، ومسلم 4/2170، برقم 2816 2818 .

([43])  الترمزي 5/238، برقم 3522، وغيره، وانظر: صحيح الترمزي 3/171.

([44])  سورة التوبة، الآية: 128 .

([45])  سورة الأحزاب، الآية: 21 .

([46])  سورة الأحزاب، الآية: 56 .

([47])  مسلم، برقم 384 .

([48])  سورة النحل : الآية : 90 .

([49])  سورة العنكبوت: الآية : 45.

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 214 زوار و 2 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول