عبادات النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان

عبادات النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان

أولاً: صيام رمضان:

قال تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [سورة البقرة:185].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه).

وقال صلى الله عليه وسلم: «أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه» (رواه النسائي وصححه الألباني لغيره).

وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من ترك اغتنام فضائل هذا الشهر، والانسلاخ منه دون مغفرة للذنوب ورفع للدرجات، فعن أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال: «آمين، آمين، آمين» قيل: يا رسول الله ! إنك صعدت المنبر فقلت: « آمين، آمين، آمين ».

قال: «إن جبريل عليه السلام أتاني فقال: من أدرك شهر رمضان، فلم يغفر له، فدخل النار، فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين » (رواه ابن خزيمة وابن حبان وقال الألباني حسن صحيح).

فعلى كل مسلم أن يحذر من إضاعة أوقات هذا الشهر فيما يسخط الله عز وجل، أو في المباحات التي لا يؤجر عليها، فإن المسيء إذا رأى المحسنين يوم القيامة، ندم على إساءته، وتمنى أن لو كان أحسن مثلهم، ولكن هيهات أن ينفع الندم، أو يجدي البكاء والحسرة والألم.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من الناس من يصوم على سبيل العادة، فلا يكون للصيام أثر في تعديل سلوكه، ولا في تهذيب منطقة، فلا يعرف من معاني الصيام شيئاً سوى الامتناع عن الطعام والشراب فترة من الزمن، فهذا من قال فيه صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (رواه البخاري).

وقال صلى الله عليه وسلم: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش» (رواه أحمد وابن ماجة وصححه السيوطي) والمعنى أنه ليس له أجر الصائمين؛ لأنه هتك حرمة الصيام بأنواع المعاصي والمنكرات، ولذلك قال بعض السلف: أهون الصيام ترك الطعام والشراب. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الصيام الحق وقاية من كل فعل ذميم وخلق مرذول، فقال عليه الصلاة والسلام: «الصيام جنة، فإذا كان يوم صيام أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم، أني صائم » (متفق عليه) فهذا هو الصيام المطلوب الذي يصل بصاحبه إلى نيل المرغوب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183].

ثانيا: قيام رمضان:

قيام رمضان هو صلاة الليل في رمضان، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم طوال العام، امتثالا لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل ا ،2] وقد امتدح الله تعالى القائمين لصلاة الليل فقال: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 64]، وقال: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة: 16] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل بالصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» (رواه مسلم).

وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يخص قيام رمضان بمزيد من الاهتمام، ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم رغب في قيام رمضان، وأخبر أنه سبب في المغفرة مثل صيام رمضان، فقال عليه الصلاة والسلام: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه).

وقيام رمضان هو قيامه بالتهجد بالصلاة ذات الخشوع والخضوع تقرباً إلى الله تعالى في هذه الليالي الشريفة.

قال الشيخ ابن عثيمين: ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «إيمانا» أي بالله وبما أعده من الثواب للقائمين.

ومعنى قوله: «احتسابا» أي طلبا لثواب الله، لم يحمله على ذلك رياء، ولا سمعة، ولا طلب مال ولا جاه.

وقيام رمضان شامل للصلاة في أول الليل وآخره، وعلى هذا فالتراويح من قيام رمضان، فينبغي الحرص عليها، والاعتناء بها، واحتساب الأجر والثواب من الله عليها، وما هي إلا ليال معدودة ينتهزها المؤمن العاقل قبل فواتها. وإنما سميت تراويح؛ لأن الناس كانوا يطيلونها جدا، فكلما صلوا أربع ركعات استراحوا قليلاً.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم أول من سن الجماعة في صلاة التراويح في المسجد، ثم تركها خوفا من أن تفرض على أمته. ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها« أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة، وصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، وكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم. وكان ذلك في رمضان» ([1]).

فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك، ثم إن عمر بن الخطاب رضى الله عنه جمع الناس في المسجد على إمام واحد في صلاة التراويح، فأحيا هذه السنة، بعد زوال العلة التي من أجلها خاف النبي صلى الله عليه وسلم أن تفرض على أمته، فقد انقطع الوحي بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقد أجمع المسلمون من أهل السنة على مشروعية ما فعله عمر رضى الله عنه، لم يشذ عنهم إلا أهل البدع.

ومما يدل على المشروعية أيضا ما رواه أبو الدرداء أنه صلى الله عليه وسلم قام بهم ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل، وليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، فقالوا: لو ثقلتنا – أي زدتنا بقية ليلتنا – فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف، كتب له بقية ليلته» (رواه أهل السنن وحسنه الترمذي).

وفيه دليل على أن قيام بعض الليل من الإمام يكتب به قيام كل الليل، وإن كان ذلك البعض دون الثلث، كما دل عليه قوله: «إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف» لكن ظاهر قوله: «حتى ينصرف» أنه لابد من قيامه معه إلى انصرافه، فلو انصرف قبله لم يكتب له ذلك.

وعن الإمام أحمد أنه كان يأخذ بهذا الحديث، ويصلي مع الإمام ([2]).

وعلى هذا فما يفعله بعض الناس من انصرافهم بعد ركعتين أو أربع أو ست، يحرمهم من إدراك ثواب قيام ليلة كاملة. وانظر إلى الصحابة كيف صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى نصف الليل، ومع ذلك طلبوا منه أن يزيدهم، وهذا يدل على قوة إيمانهم وشدة اجتهادهم في طاعة الله. وإذا نظرت اليوم إلى أحوال كثير من الأئمة، تجد أنهم يصلون صلاة التراويح كاملة في نصف ساعة أو أقل أو أكثر، ومع ذلك فإن الناس لا يصبرون على إتمامها كاملة مع الإمام، وهذا دليل على الانشغال بالدنيا، وتمكن حبها من النفوس، وطول الأمل والزهادة في أعمال الآخرة.

ثالثا: مدارسة القرآن:

ومن عبادات النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان: مدارسة القرآن، ففي الصحيحين عن ابن عباس رضى الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة» (متفق عليه).

قال الإمام ابن رجب: (ودل الحديث أيضا على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له.

وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان. وفي حديث فاطمة رضي الله عنها عن أبيها صلى الله عليه وسلم أنه أخبرها: أن جبريل كان يعارضه القرآن كل عام مرة، وأنه عارضه في عام وفاته مرتين.

وفي هذا الحديث أن المدارسة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين جبريل كانت ليلاً، وهذا يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلاً ؛ فإن الليل تنقطع فيه الشواغل. ويجتمع فيه الهم، ويتواطأ فيه لقلب واللسان على التدبر كما قال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا}[المزمل:6].

وشهر رمضان له خصوصية بالقرآن كما قال تعالى:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ} [البقرة:185]

ولتلاوة القرآن آداب منها:

1-إخلاص النية لله تعالى فيها.

2-أن يقرأ بقلب حاضر، يتدبر ما يقرأ ويتفهم معانيه.

3-أن يقرأ على طهارة؛لأن هذا من تعظيم كلام الله تعالى.

4-ألا يقرأ القرآن في الأماكن المستقذرة أو في مجمع لا ينصت فيه لقراءته؛ لأن قراءته في مثل ذلك إهانة له.

5-أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عند إرادة القراءة، ولا يقرأ البسملة إلا في أول السورة.

6-أن يحسن صوته بالقرآن.

7-أن يرتل القرآن ترتيلاً، ويطبق أحكام التلاوة.

8-أن يسجد إذا مر بآية سجدة وهو على وضوء في أي وقت كان من ليل أو نهار، فيقول: سبحان ربي الأعلى، ويدعو ثم يرفع من السجود بدون تكبير ولا سلام([3]).

رابعا: الذكر والدعاء:

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر ربه في كل وقت وعلى كل حال، وكان أكثر ذكرا لله تعالى في رمضان، ومن الأذكار النبوية الرمضانية، أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال: «الله أكبر، الله أكبر، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربنا وربك الله» (رواه الدارمي).

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال: «ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله» (رواه أبو داود والنسائي).

 وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله! إن علمت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح). وقال النووي: يستحب أن يكثر في الاعتكاف من تلاوة القرآن وغيره من الأذكار.

أما الدعاء فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، دعوة المظلوم» (رواه الترمذي وحسنه).

خامسا:كثرة الجود والإنفاق:

ففي حديث ابن عباس السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود ما يكون في رمضان، وكان فيه أجود بالخير من الريح المرسلة. (متفق عليه).

فالنبي صلى الله عليه وسلم هو أجود بني آدم على الإطلاق، كما أنه أفضلهم وأعلمهم وأكملهم في جميع الأوصاف الحميدة، وكان جوده صلى الله عليه وسلم بجميع أنواع الجود، من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه ، وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكل طريق، من إطعام جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم.

وفي الصحيحين عن أنس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وأشجع الناس وأجود الناس».

وفي صحيح مسلم عن أنس قال: «ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئا إلا أعطاه، فجاء رجل، فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة ».

وكان جوده صلى الله عليه وسلم يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، كما أن جود ربه يتضاعف فيه أيضا، فإن الله جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة، وكان على ذلك من قبل البعثة([4]).

ومن الجود في رمضان: تفطير الصائمين لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من فطر صائماً فله مثل أجره» (رواه أحمد والنسائي وصححه الألباني)، ومن خصائص جود النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان كله لله وفي ابتغاء مرضاته، فإنه كان يبذل المال إما لفقير أو محتاج، أو ينفقه في سبيل الله، أو يتألف به على الإسلام من يقوى الإسلام بإسلامه، وكان يؤثر على نفسه وأهله وأولاده، فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع ([5]).

سادسا:الاعتمار في رمضان:

ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر في رمضان، إلا أنه رغب في أداء العمرة في رمضان، فقال عليه الصلاة والسلام: «عمرة في رمضان تعدل حجة – أو قال – حجة معي» (متفق عليه)، وهذا يدل على مضاعفة ثواب العمل الصالح في رمضان، فمن حرم فضل الله تعالى ورحمته ومغفرته الواسعة في هذا الشهر فهو المحروم حقيقة.

سابعاً: الاعتكاف:

والاعتكاف سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده» (متفق عليه).

وفي لفظ: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما» (رواه البخاري).

ثامنا: زيادة الاجتهاد في العشر الأواخر:

فعن عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره» (رواه مسلم).

وقالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله» (متفق عليه).

وهذا شامل للاجتهاد في جميع أنواع العبادة من صلاة وقرآن وذكر وصدقة وغيرها. فنسأل الله تعالى أن يوفقنا لاتباع هذا النبي والفوز بشفاعته يوم القيامة.

 

 


([1]) مجالس شهر رمضان ص (18).

([2]) إتحاف أهل الإسلام بخصوصيات الصيام ص (193).

([3]) مجالس شهر رمضان ص (61-63) باختصار.

([4]) لطائف المعارف ص (226-229) باختصار.

([5]) المصدر السابق (229).

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 280 زوار و 1 عضو  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول