من أحكام الزكاة

من أحكام الزكاة

الزكاة:

قال الله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: 34 - 35].

وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 180].

وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن آتاه الله مالاً، فلم يؤدِّ زكاتَه، مُثِّلَ له يوم القيامة شجاعًا أقرعَ له زَبِيبَتَان يطوقه، ثُمَّ يأخذ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يعني شدقيه - ثم يقول: أنا كَنْزك أن مالك))؛ متَّفق عليه، وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "إنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((أمرت أن أقاتلَ الناس حتَّى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءَهم وأموالهم إلاَّ بحقِّها وحسابهم على الله)).

أخي المسلم، الزَّكاة فريضةٌ من فرائض الإسلام، وهي أحدُ أركانِه، دَلَّ على وجوبها الكتابُ والسنَّة والإجماع، فمن أنكر وجوبها، فهو كافر مرتد... ومن بَخِلَ بها، فهو معرَّض لعقوبةٍ عظيمة يَوْمَ تصفَّح له أمواله صفائِحَ من نار، ويحمى عليها في نار جهنم، ويكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بَرَدَت أعيدت له في يوم كان مِقْداره خمسين ألف سنة، حتَّى يقضي الله بين العباد.

والزَّكاة تجبُ في أموالٍ مَخصوصة منها الذَّهب والفِضَّة، "وعُملتنا اليومَ تعتبر ذهبًا أو فِضَّة إذا بلغت نصابًا"، وهو "56 ريالاً سُعُوديًّا"، والواجب فيها ربع العشر؛ أي: في كل أربعين ريالاً ريال واحد.

وكذلك تجب الزكاة في عروض التِّجارة من العقارات والأراضي والبيوت المعدَّة للبيع وسائر السِّلع، واشترط في كلِّ ما سبق أن يحول عليه الحول إلاَّ ربح التجارة، فحوله حول أصله، وعلى هذا لو ملك إنسان ألفَ ريال، وعلى رأس الحول صار ألفين، فيزكِّى عن الألفين جميعًا.

أخي المسلم، إنَّنا نرشدك إلى الطريقة السليمة التي تتخلَّص بها من شرِّ المال ومسؤوليته في الآخرة، وذلك بأن تحدد يومًا في كل سنة تُحصي جميعَ أموالك: النقود والعقارات المعدة للتجارة، وسائر الأشياء التي ليست من حاجاتك الخاصَّة، ثُمَّ تقدر قيمتها بما تساويه حقيقة دون نقص، ثُمَّ تحسم ما عليك من ديون حالَّة، ثم تخرج ربع عشر الباقي.

أخي المسلم، ربَّما تكثُر الزكاة أمامك؛ بسبب كثرة ممتلكاتك، فاحذر أن يخدعك الشيطانُ، فتبخل بما آتاك الله من فَضْلِه، أو تنقص مما أوجبه الله عليك، فيكون هذا المال وبالاً عليك ومصيبة يوم القيامة.

أخي المسلم، وفقنا الله وإيَّاك لأداء ما أوجب علينا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نصيحة في الزكاة:

من محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف آل الشيخ إلى مَن يبلغه من المسلمين، وفَّقَني الله وإياهم إلى صراطه المستقيم، آمين، سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد، فإنِّي أحمد الله رب العالمين، وأصلِّي وأسلم على رسول الله خاتم النبيين، نصح أمته، وقال فيما صحَّ عنه: ((الدِّين النصيحة))[1]، وأنزل الله عليه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]، ثم إنَّ الباعث لكتابة هذه الكلمة هو النُّصح والتذكير بفريضة الزَّكاة، التي تساهل بها بعضُ الناس وغفلوا عنها، مشتغلين بتدبير أموالِهم عن فريضة من فرائض الدِّين، وركن من أركان الإسلام يكفُر جاحده، وتقاتَل الطائفةُ الممتنعة من أدائه، ولقد ذكر الله في كتابه الزكاة مقرونة بالصلاة فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البيِّنة: 5].

وأمر تعالى رسوله بأخذها حيث يقول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103]، وجاء الوعيد الشديد على من بَخِلَ بها وقصَّر فيها؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: 34 - 35]، وفي الحديث الصَّحيح: ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقَّها إلا إذا كان يوم القيامة صفِّحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كُلَّما بَرَدَت أعيدت له في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة، حتَّى يُقضى بين العباد[2]، وفي الصَّحيح: ((من آتاه الله مالاً فلم يؤدِّ زكاته، مُثِّل له يوم القيامة شجاعًا أقرعَ له زبيبتان يطوق به يوم القيامة، ثُمَّ يأخذ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يعني شدقيه - ثم يقول: أنا مالك، أنا كنْزَك))؛ متَّفق عليه[3].

ولا يخفى ما مَنَّ الله به على عباده من نعمة المال، ولا سيما في هذا الزَّمن الذي تكاثرت فيه المصالح والخيرات، واتَّسعت فيه أسباب الرِّزق، وتضخمت فيه أموالُ كثيرٍ من الناس، وما الأموالُ إلا ودائع في أيدي الأغنياء، وفتنة وامتحان لهم من الله؛ لينظرَ أيشكرون أم يكفرون؟

ومن شُكرها وقَيْدِ النعمة: أداءُ زكاتها، والصَّدقة على الفقراء والمساكين، والإنفاق مما استخلفهم الله فيه؛ قال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحديد: 7]، ومن الحكمة في تشريع الزَّكاة: مواساة الأغنياء لإخوانهم الفُقراء، فلو قام الأغنياء بهذه الفريضة حقَّ القيام، وصرفوا الزكاة في مصرفها الشرعي، لحصل الفقراء والمساكين ما يكفيهم، ولا يَحتاجون معه إلى غيره.

أمَّا إذا منع الأغنياء ما أوجب الله عليهم من فريضة الزكاة، فإنه ينشأ من هذا إضرار ومفاسد كثيرة، من تعريض العبد نفسَه للعذاب العظيم، وكراهة الله والناس له، وتسبب لإهلاك المال وانتزاع البَرَكة منه؛ ففي الحديث: ((ما خالطت الزَّكاة مالاً قطُّ إلا أهلكته))[4]، ومن ظلم للفقراء والمساكين وإيصال الضرر إليهم، ودعوة له إلى ارتكاب شتَّى الحيل في الحصول على لقمة العيش، والتعرُّض للوقوف في المواقف الحرجة، والإلحاح في السُّؤال؛ بل ربَّما اضطرتهم فاقتهم وشِدَّة الحاجة إلى السَّرقة والإقدام على بعض الجرائم؛ لما يقاسونه من آلام الفقر والمسكنة، التي لو أحسَّ بها الغنيُّ يومًا من الدهر، لتغيرت نظرته إليهم، ولعَرَف عظيم نعمة الله عليه.

وإذا كان في الزَّكاة مصلحةٌ للفقراء والمساكين، وبهم ضرورة إليها، فإنَّ فيها مصلحة لأرباب الأموال، وبهم ضرورة إلى أدائها من تطهيرٍ وتزكية لهم، وبُعد عن البخل المذموم، وقرب من فعل الكرم والجود، واستجلاب للبركة والزِّيادة والنَّماء، وحفظ للمال ودفع للشرور عنه؛ ولهذا قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((من أدَّى زكاة ماله، فقد ذهب عنه شرُّه))؛ رواه الطبراني، وابن خزيمة في صحيحه، وعن أنس - رضي الله عنه - قال: "أتى رجل من تميم رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: يا رسول الله، إنِّي ذو مال كثير، وذو أهل ومال وحاضرة، فأخبرني كيف أصنع؟ وكيف أنفق؟ فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((تخرج الزَّكاة من مالك، فإنَّها طُهرة تطهرك، وتصل أقرباءك، وتعرف حقَّ المسكين والجار والسائل))"؛ رواه أحمد.

وعن الحسن - رضي الله عنه -: أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((حصِّنوا أموالكم بالزَّكاة، وداووا مرضاكم بالصَّدقة، واستقبلوا أمواجَ البلاء بالدُّعاء والتضرُّع))؛ رواه أبو داود في "المراسيل" - وكان الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - يدعو لمن جاء بالزَّكاة، فتارة يقول: ((اللهم بارك له))، وتارة يقول: ((اللهم صلِّ عليه))[5].

هذا؛ ولقد تولَّى الله قسمة الزكاة بنفسه، وجزَّأها ثمانيةَ أجزاء، أمَّا الأشياء التي تجب فيها الزكاة، فهي أربعة أصناف:

1 - الخارج من الأرض كالحبوب والثمار.

2 - وبهيمة الأنعام.

3 - وعروض التِّجارة.

4 - والذهب والفضة.

وقد تجب في غيرهنَّ، ولكل من هذه الأصناف الأربعة نصابٌ محدَّد، لا تجب الزكاة فيما دونه، فنصابُ الحبوب والثِّمار خمسة أَوْسُقٍ، وأدنى نصاب الغنم أربعون شاةً، وأدنى نصاب الإبل خمسٌ، وأدنى نصاب البقر ثلاثون، ونصاب الفضة مائتا درهم، ونصاب الذهب عشرون مثقالاً، فإذا ملك الإنسان نصابًا من الذَّهب، وقدره أَحَدَ عَشَرَ جنيهًا ونصف جنيه تقريبًا من الجنيهات السُّعودية، ومثله من الجنيه الإفرنجي، أو ملك نصابًا من الفِضَّة، وقدره ستة وخمسون ريالاً عربيًّا تقريبًا، وحال عليه الحول - وجبت فيه الزَّكاة ربع العشر.

وكذلك الأوراق التي كَثُرَت في أيدي الناس، وصار التعامُل بها أكثر من غيرها، فإذا ملك الإنسان منها ما يقابل نصابًا من الفضة، وحال عليها الحول، فإنَّه يُخرج منها زكاتَها ربعَ عُشْرِها، أمَّا العُرُوض - وهي ما اشتراها الإنسان للربح - فإنها تُقوَّم في آخر العام ويخرج ربع عشر قيمتها.

وإذا كان للإنسان دين على أحد، فإنه يزكّيه إذا قبضه، فإن كان الدين على مليء، فالأفضلُ أن يزكيه عند رأس الحول، وله أنْ يؤخر زكاته حتَّى يقبضه، ويجب إخراج الزَّكاة في بلد المال إلاَّ لعذر شرعي، ولا حظَّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب، ولا يَجوز صرفها لغير أهلها الثمانية الذين ذكرهم الله بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ﴾ [التوبة: 60] والزكاة حق الله، فلا تجوز المحاباة بها، ولا أن يجلب الإنسان بها لنفسه نفعًا، أو يدفع ضرًّا.

فاتَّقوا الله أيُّها المسلمون، وتذكَّروا ما أوجب الله عليكم من الزَّكاة، وما يقاسيه الفقراء والمساكين من ويلات الفقر والفاقة، وبادروا إلى إخراجِ زكاةِ أموالكم، طيبة بها نفوسكم، خالصة لوجه الله، لا منَّ فيها ولا أذى ولا رياء ولا سُمعة، واغتنموا الفُرصة قبل فوات الأوان؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 254]، جعلني الله وإيَّاكم ممن يستمعون القول، فيتبعون أحسنه، ونفعنا بهذه الذِّكرى وهدانا جميعًا إلى طريق الحق والخير والفلاح، وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

بحوث هامة حول الزكاة:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نَبِيَّ بعده، وعلى آله وصحبه.

أما بعد، فإنَّ الباعث لكتابة هذه الكلمة هو النُّصح والتَّذكير بفريضة الزَّكاة التي تساهل بها الكثير من المسلمين، فلم يخرجوها على الوجه المشروع، مع عِظَمِ شأنها، وكونها أحد أركان الإسلام الخمسة، التي لا يستقيم بناؤه إلا عليها؛ لقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((بُنِي الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت))؛ متفق على صحته.

وفرض الزَّكاة على المسلمين من أظهر مَحاسِنِ الإسلام ورعايته لشؤون معتنقيه؛ لكثرة فوائدها، ومسيس حاجة الفقراء المسلمين إليها، فمن فوائدها: تثبيتُ أواصر المودة بين الغني والفقير؛ لأن النفوس مجبولة على حبِّ مَن أحسنَ إليها، ومنها تطهير النَّفس وتزكيتها والبُعد بها عن خُلُق الشح والبُخل؛ كما أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله - تعالى -: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ [التوبة: 103]، ومنها تعويد المسلم صفة الجود والكرم والعطف على ذوي الحاجة، ومنها استجلابُ البركة والزِّيادة والخَلَف؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: 39]، وقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الحديث الصَّحيح: ((يقول الله - عزَّ وجلَّ -: يا ابن آدم، أنفق، ننفق عليك))[6] إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة.

وقد جاء الوعيدُ الشديد في حقِّ من بَخِلَ بها أو قصر في إخراجها؛ قال الله - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: 34 - 35]، فكلُّ مال لا تؤدَّى زكاته، فهو كنز يعذب به صاحبه يوم القيامة؛ كما دَلَّ على ذلك الحديث الصحيح عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنه قال: ((ما من صاحب ذهب ولا فِضَّة لا يؤدي حقَّها، إلاَّ إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائحُ من نار، فأحْمِيَ عليها في نارِ جهنَّم، فيُكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بَرَدَت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتَّى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إمَّا إلى الجنة، وإمَّا إلى النار))[7]، ثم ذكر النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - صاحبَ الإبل والبقر والغنم الذي لا يؤدي زكاتها، وأخبر أنه يُعذب بها يوم القيامة، وصحَّ عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنه قال: "((من آتاه الله مالاً، فلم يؤدِّ زكاته، مُثِّل له يوم القيامة شجاعًا أقرعَ له زَبِيبَتَان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يعني شدقيه - ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك))، ثم تلا النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - هذه الآية: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 180]"، متفق عليه.

والزكاة تجب في أربعة أصناف: الخارج من الأرض من الحبوب والثمار، والسائمة من بهيمة الأنعام، والذَّهب والفضة، وعروض التجارة، ولكلٍّ من هذه الأصناف الأربعة نصابٌ محدود لا تَجب الزَّكاة فيما دونه، فنصابُ الحبوب والثمار خمسة أَوْسُقٍ، والوَسْقُ ستون صاعًا بصاع النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيكون مقدار النِّصاب من التمر والزبيب والحنطة والأرز والشعير ونحوها ثلاثمائة صاع بصاع النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو أربع حفنات بيدي الرَّجل المعتدل الخلقة إذا كانت يداه مملوءتَيْن، وأمَّا نصاب السائمة من الإبل والبقر والغنم، ففيه تفصيل مبيَّن في الأحاديث الصَّحيحة عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وفي استطاعة الرَّاغب في معرفته سؤالُ أهلِ العلم عن ذلك، ولولا قصد الإيجاز، لذكرناه لتمام الفائدة.

وأمَّا نصاب الفضة، فمائة وأربعون مثقالاً، ومقداره بالدِّرهم العربي السُّعودي ستة وخمسون ريالاً، ونصاب الذهب عشرون مثقالاً، ومقداره من الجنيهات السعودية أحد عشر جنيهًا، وثلاثة أسباع الجنيه، والواجب فيهما ربع العشر على من ملك نصابًا منهما، أو من أحدهما، وحال عليه الحول، والربح تابع للأصل، فلا يحتاج إلى حول جديد كما أنَّ نتاج السائمة تابعٌ لأصله، فلا يَحتاج إلى حول جديد إذا كان أصلُه نصابًا، وفي حكم الذهب والفضة والأوراق النقديَّة التي يتعامل بها الناس اليوم، سواء سميت درهمًا أم دينارًا، أم دولارًا أم غير ذلك من الأسماء، إذا بَلَغت قيمتها نصابَ الفضة أو الذَّهب، وحال عليها الحول، وَجَبَت فيها الزكاة.

ويلتحق بالنقود حليّ النساء من الذهب والفضة خاصَّة إذا بلغت النصاب المتقدم، وحال عليها الحول، فإنَّ فيها الزكاة، وإن كانت مُعدَّة للاستعمال أو العارية في أصحِّ قَوْلَي العلماء؛ لعموم قول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -:" ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاته، إلا إذا كان يوم القيام صفِّحت له صفائح من نار))... إلخ، الحديث المتقدم، ولما ثبت عنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنه رأى بيد امرأة سوارين من ذهب، فقال: ((أتُعطين زكاة هذا؟)) قالت: لا، قال: ((أيسرُّك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟))، فألقتهما، وقالت: هما لله ولرسوله"؛ أخرجه أبو داود والنَّسائي بسند حسن، وثَبَتَ عن أمِّ سَلَمَة - رضي الله عنها - أنَّها كانت تلبس أوضاحًا من ذهب، فقالت: يا رسول الله، أكَنْزٌ هو؟ فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما بلغ أن يُزكَّى فزُكِّى، فليس بكنز))[8]، مع أحاديث أخرى في هذا المعنى.

أمَّا العروض - وهي السِّلع المعدَّة للبيع - فإنَّها تقوَّم في آخر العام، ويخرج ربع عشر قيمتها، سواء كانت قيمتها مثل ثمنها أم أكثر أم أقل؛ لحديث سمرة قال: "كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يأمُرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع"؛ رواه أبو داود.

ويدخل في ذلك الأراضي المعدَّة للبيع، والعمارات، والمكائن الرَّافعة للماء، وغير ذلك من أصناف السِّلع المعدة للبيع، أمَّا العمارات المعدة للإيجار لا للبيع، فالزَّكاة في أجورها إذا حال عليها الحول، أمَّا ذاتها فليس فيها زكاة؛ لكونِها لم تعدَّ للبيع، وهكذا السيارات الخصوصيَّة و"التكاسي" ليس فيها زكاة إذا كانت لم تعدَّ للبيع، وإنَّما اشتراها صاحبها للاستعمال، وإذا اجتمعَ لصاحب سيارة الأجرة أو غيره نقود تبلغ النِّصاب، فعليه زكاتُها إذا حال عليها الحول، سواء كان أعدَّها للنفقة أم للتزوُّج، أم لشراء عقار أم لقضاء دين، أم غير ذلك من المقاصد؛ لعمومِ الأدلة الشَّرعية الدالة على وجوب الزَّكاة في مثل هذا، والصحيح من أقوال العلماء أنَّ الدَّين لا يمنع الزكاة؛ لما تقدم، وهكذا أموال اليتامى والمجانين تجب فيها الزَّكاة عند جمهور العلماء، إذا بَلَغت النِّصاب، وحال عليها الحول، ويَجب على أوليائهم إخراجُها بالنيَّة عنهم عند تمام الحول؛ لعموم الأدلَّة مثل قول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في حديث معاذ لَمَّا بعثه إلى أهل اليمن: ((إنَّ الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تُؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم))[9].

والزَّكاة حقُّ الله، لا تجوز المحاباة بها لمن لا يستحقها، ولا أن يَجلب الإنسانُ بها لنفسه نفعًا أو يدفع ضرًّا، ولا أن يَقِيَ بها ماله أو يدفع بها عنه مذمة، بل يَجب على المسلم صرف زكاته لمستحقيها؛ لكونِهم من أهلها، لا لغرض آخر مع طيب النَّفس بها والإخلاص لله في ذلك؛ حتى تبرأ ذمته، ويستحق جزيل المثوبة والخلف.

وقد أوضح الله - سبحانه - في كتابه الكريم أصنافَ أهل الزَّكاة؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60]، وفي خَتْمِ هذه الآية الكريمة بهذين الاسمين العظيمين تنبيهٌ من الله - سبحانه - لعباده على أنه - سبحانه - هو العليم بأحوال عباده، ومن يستحقُّ منهم الصدقة، ومن لا يستحق، وهو الحكيم في شرعه وقدره، فلا يضع الأشياء إلاَّ في مواضعها اللاَّئقة بها، وإن خَفِيَ على بعض الناس بعض أسرار حكمه؛ ليطمئن العباد لشرعه ويسلموا لحُكمه، والله المسؤول أن يوفقنا والمسلمين للفقه في دينه، والصدق في معاملته، والمسابقة إلى ما يُرضيه، والعافية من موجبات غضبه، إنَّه سميع قريب، وصلَّى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.

فوائد الزكاة والصدقة[10]

قد فرض الله على المؤمنين ذوي الأموال الزَّكوية زكاةً تدفع للمحتاجين منهم، وللمصالح العامة النَّفع؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60].

وفي القرآن آيات كثيرة في الأمر بإيتاء الزَّكاة والنَّفقة مما رزق الله، والثَّناء على المنفقين والمتصدِّقين وذِكْرِ ثوابهم، وتواترت بذلك كلِّه الأحاديثُ عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وبيَّن ما تجب فيه الزَّكاة من المواشي والحبوب والثِّمار، والنُّقود والأموال المعدَّة للتجارة، وذكر أنصباءَها ومقدارَ الواجب منها، وذكر الوعيدَ الشديد على مانعها، واتَّفق المسلمون على نقصان إيمان تاركها ودينه وإسلامه، وإنَّما اختلفوا: هل يَكفُر تاركها أم لا؟ وذلك لما في الزكاة والصدقة والإحسان من الفوائد الضرورية والكمالية والدينية والدنيوية.

فمنها أنَّها من أعظم شعائر الدين، وأكبر براهين الإيمان، فإنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((والصدقة برهان))[11]؛ أي: على إيمان صاحبها ودينه ومحبته لله؛ إذ سَخِي لله بماله المحبوب للنُّفوس.

ومنها أنَّها تزكِّي وتنمِّي المعطِي والمعطَى، والمال الذي أخرجت منه، أمَّا تزكيتها للمعطي، فإنَّها تزكي أخلاقَه، وتطهره من الشحِّ والبُخل والأخلاق الرَّذيلة، وتنمي أخلاقه، فيتصف بأوصاف الكرماء المحسنين الشاكرين، فإنَّها من أعظم الشُّكر لله، والشُّكر معه المزيد دائمًا، وتنمي أيضًا أجره وثوابه، فإنَّ الزَّكاة والنفقةَ تضاعف أضعافًا كثيرة بِحَسَبِ إيمان صاحبها وإخلاصه، ونفعها ووقوعها موقعها، وهي تشرحُ الصدر، وتُفرح النفس، وتَدْفَع عن العبد من البلايا والأسقام شيئًا كثيرًا، فكم جلبت من نعمة دينيَّة ودنيويَّة! وكم دفعت من نِقَمٍ ومكارهَ وأسقام! وكم خفَّفت الآلام! وكم أزالت من عداوات، وجلبت مودة وصداقات! وكم تسببت لأدعية مُستجابة من قلوب صادقات! وهي أيضًا تنمي المال المخرج منه، فإنَّها تقيه الآفاتِ، وتحل فيه البَرَكة الإلهية؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما نقصت صدقة من مال، بل تزيد))[12]؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَْ﴾ [سبأ: 39]، وفي الصحيحين عنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: ((ما من صباحِ يومٍ إلا وينزل ملكان، يقول أحدهما: اللهم أعطِ مُنفقًا خَلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ مُمسكًا تلفًا))، والتجربة تشهدُ بذلك، فلا تكاد تجد مؤمنًا يخرج الزَّكاة، وينفقُ النفقات في مَحلِّها إلاَّ وقد صبَّ الله عليه الرزق صبًّا، وأنزل له البركة، ويسَّر له أسباب الرزق.

وأمَّا نفعها للمعطَى، فإنَّ الله قد أمر بدفعها للمحتاجين من الفُقراء، والمساكين، والغارمين، وفي الرِّقاب، وللمصالح التي يحتاج المسلمون إليها، فمتى وضعت في مَحلِّها، اندفعت الحاجات والضَّرورات، واستغنى الفُقراء أو خفَّ فقرهم، وقامت المصالح النَّافعة العمومية، فأيُّ فائدة أعظم من ذلك وأجل؟!

فلو أنَّ الأغنياء أخرجوا زكاة أموالهم، ووضعت في محلها، لقامت المصالح الدينيَّة والدنيوية، وزالت الضَّرورات، واندفعت شرور الفقراء، وكان ذلك أعظم حاجز وسد يَمنع عَبَثَ المفسدين؛ ولهذا كانت الزَّكاة من أعظم محاسن الإسلام؛ لِمَا اشتملت عليه من جلب المصالح والمنافع، ودفع المضار، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد.

 



[1] رواه مسلم، "رياض الصالحين"، ص124.

[2] متفق عليه، "الترغيب والترهيب"، 2/56.

[3] المصدر السابق، ص61.

[4] رواه البزار والبيهقي بلفظ: ((إلا أفسدته))، "الترغيب والترهيب"، 2/63.

[5] عن عبدالله بن أبي أوفى قال: "كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال: ((اللهم صلِّ عليهم))، فأتاه أبي بصدقته، فقال: ((اللهمَّ صلِّ على آل أبي أوفى))"؛ متفق عليه؛ "بستان الأخبار مختصر نيل الأوطار"، 1/494.

[6] متفق عليه، "اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان"، 1/203.

[7] رواه البخاري ومسلم، "الترغيب والترهيب"، 2/56 - 57.

[8] أخرجه الحاكم، وقال: "صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه، وأخرجه أبو داود في باب: الكنز ما هو؟"؛ "الإلمام بأحاديث الأحكام"، ص224.

[9] رواه البخاري ومسلم، "الإلمام بأحاديث الأحكام"، ص217.

[10] من كتاب "الرياض الناضرة"، للشيخ عبدالرحمن الناصر السعدي - رحمه الله.

[11] رواه مسلم.

[12] رواه مسلم وغيره من دون قوله: ((بل تزيده)).

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 295 زوار و 1 عضو  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول