حال السلف مع الصيام

حال السلف مع الصيام

أيها الأخوة في الله: لقد كان سلفُنا الصالحُ قمماً في الإقتداء، ونبراساً في التأسي والاهتداءِ بهدي ربِ الأرضِ والسماء، ففي كلِ صغيرةٍ وكبيرةٍ من أمورِ حياتِهم، وشؤونِ عيشهِم، يتحرون سنةَ نبيِّهم - صلى الله عليه وسلم -، ويتلمسون منهاجَ رسولِهم، فنالوا بذلك وِسامَ خيرِ القرون، وفازوا بصحبةِ الرسولِ - صلى الله عليه وسلم -، وحققوا بهذا الإتباع الإنجازات الباهرة، والانتصاراتِ الرائعة.

لذا كان علينا أحبتي الكرام أن نقرأَ سيرَهم، ونتلمسَ أخبارَهم، حتى نسيرَ سيرَهم ونبلغَ المجدَ الذي بلغوه، والخيَر الذي سطروه، وسيروا هؤلاءِ العظماءِ متنوعةٌ؟؟ لكننا سنتطرقُ لما يخصُنا في هذه الأيامِ فنتعرفُ على أحوالهِم في الصيامِ..وأحوالُهم من أحسنِ الأحوال، فما كانت وجُوههم تكفهُر لبلوغِ شهرِ الصيام، وما كانت نفوسهُم تنقبضُ لإدراكِ شهرِ الصيامِ..وما كانواَ يتَضايقونَ لعبادةِ الصيام، لأنَّ السنَة كلهَّا عندهم صيام.. نعم لقد أدركوا فضلَ الصيامِ وما له من الأجرِ الكبيرِ من المليكِ العلامِ فهو القائلُ كما في الحديثِ القدسي: « كلُ عملِ بنِ آدمَ له إلا الصيامُ فإنه لي وأنا أجزي به»" رواه البخاري.. فلماذا لا يفرحون بالصيامِ واللهُ يقولُ: إنه لي وأنا أجزي به " فأيُ تكريمٍ كهذا؟ وأي شرفٍ مثلُ هذا؟ ولهذا أصبحوا يتنافسون في عبادةِ الصيام.. والمداومةِ عليه طوالَ العام.. سوى ما حرمَ عليهمُ الكريمُ العلام.. فهذا ابنُ عمرو - رضي الله عنهما - يقولُ: " أنكحني أبي امرأةً ذاتَ حسبٍِ فكان يتعاهدُ كَنّته ـ وهي زوجةُ الولدِ ـ فيسألُها عن بعلِها فتقولُ: نِعْمَ الرجلُ من رجل، لم يطأْ لنا فراشاً ولم يُفتشْ لنا كنفا مذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه ذكرَ للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " القني به " فلقيتُه بعد، فقال: كيف تصوم؟ قلتُ: كلَ يوم.. قال: وكيف تختمُ؟ قلت.. كلَ ليلة.. قال: " صم في كلِ شهرٍِ ثلاثةً واقرأْ القرآنَ في كلِ شهرٍ " قال: قلتُ أُطيقُ أكثرَ من ذلك.. قال: " صمْ ثلاثة أيامٍ في الجمعةِ" قلت: أُطيقُ أكثرَ من ذلك.. قال: " أفطرْ يومينِ وصمْ يوما " قال: قلت: أطيقُ أكثرَ من ذلك.. قال: "« صم أفضلَ الصومِ صومُ داودَ صيامُ يومٍِ وإفطارُ يومٍ واقرأ في كلِ سبعِ ليالٍ مرةٍ " فليتني قبلتُ رخصةَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وذاك أني كبرتُ وضعفتُ فكان يقرأُ على بعضِ أهلِه السبعَ من القرآنِ بالنهار والذي يقرؤُه يعرضُه من النهارِ ليكونَ أخفَّ عليه بالليلِ وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياما وأحصى وصام أياما مثلهن كراهية أن يترك شيئا فارق النبي - صلى الله عليه وسلم - ». رواه البخاري..

لقد شغلَهم حبُ الصيام.. عن مضاجعةِ النساءِ على الفرش.. نعم لقد أدركوا أن من أظمأَ نفسه في هذه الحياة.. فلن يظمأ في الآخرةِ في دارِ القرارِ بإذنِ الواحدِ القهار.. لقد أدركوا أن الصائمين يدخلون من بابٍ خاصٍ إلى جناتِ النعيم.. يُسمى بابَ الريان.. يقولُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - « " للصائمين بابٌ في الجنةِ يُقالُ له: الريان.. لا يدخلُ منه أحدٌ غيرهُم.. فإذا دخلَ آخرهُم.. أُغلق.. من دخلَ شربَ.. ومن شربَ لم يظمأْ أبدا» " رواه ابنُ خزيمة.. ولماذا لا يصومون.. وصوتُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يجلجلُ في آذانِهم: "« من صامَ يوماً في سبيلِ الله باعدَ الله وجهَه عن النارِ سبعين خريفا» " رواه البخاري.. ولماذا لا يعشقون الصيامَ ونبيُهم قد أعلمهم: " «إن في الجنةِ غرفةً.. يُرى ظاهرُها من باطنِها، وباطنُها من ظاهِرها.. أعدها الله لمن أطعمَ الطعام، وألانَ الكلام، وتابعَ الصيام، وصلى والناسُ نيام»" رواه أحمد وحسنه الألباني.. الغرفاتُ معدةٌ للصائمين يا أُخي.. وما أدراكَ ما الغرفات؟ يقولُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - "« إن أهلَ الجنةِ ليتراءون أهلَ الغرفِ من فوقهِم كما تراءَون الكوكبَ الدرَي لبعدِهم في الأفقِ من المشرقِ أو المغربِ لتفاضلِ ما بينهِم "» رواه البخاري ومسلم وما ذلك إلا لرفعتهِم وصفاءِ لونِهم وخلوصِ نورِهم.. يقولُ اللهُ - تعالى – (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) (الحاقة: 24) قال مجاهد: نزلت في الصائمين.. من ترك طعامَه وشرابَه وشهوتَه للهِ يرجو ما عنده.. عُوِضَ ذلك في الجنة.. من ترك شيئاً للهِ عوضه اللهُ عنه خيراً مما تركه.. فكيف بمن قَلَصتْ شفاهُه عطشا.. قال يعقوبُ بنُ يوسف الحنفي: بلغَنا أن اللهَ - تعالى -يقولُ لأوليائهِ يومَ القيامةِ: يا أوليائي طالما نظرتُ إليكمْ في الدنيا وقد قَلُصتْ شفاهُكم عن الأشربةِ، وغارت أعينُكم، وجفتْ بطونُكم، كونوا اليومَ في نعيمِكِم، وتعاطوا الكأسَ فيما بينَكم.. وقالَ الحسن: تقولُ الحوراءُ لوليّ اللهِ وهو متكئٌ معها على نهرٍ العسلِ تُعاطيه الكأسَ: إن اللهَ نظرَ إليكَ في يومٍ صائفٍ بعيدِ ما بين الطرفين وأنتَ في ظمأِ هاجرةٍ من جهد العطشِ فباهي بك الملائكةَ وقال: انظروا إلى عبدي ترك زوجتَه وشهوتَه ولذتَه وطعامَه وشرابَه من أجلي رغبةً فيما عندي اشهدوا أني قد غفرتُ له فغفر لك يومئذٍ وزوْجنيكَ . فيا قومِ ألا خاطب في الصوم إلى الرحمن، ألا راغبٌ فيما أعدَه اللهُ للطائعين في الجنان، ألا طالبٌ لما أخبرَ به من النعيمِ المقيمِ مع أنه ليس الخبرُ كالعيان.

من يُرِدْ مُلكَ الجنانِ  فليدعْ عنه التـواني

وليقمْ في ظلمةِ الليلِ  إلى نورِ القــرآن

وليَصلْ صوماً بصومٍ  إن هذا العيشَ فاني

إنما العيشُ جوارُ  اللهِ في دارِ الأمان

لذلك كان السلفَ - رحمهم الله - يتحسرون لفراقِ الحياة... لا حباً بأشجارِها وأنهارِها.. ولا شوقاً إلى نسائِها وبهرجِها.. ولكن لظمأِ الهواجر.. وقيامِ الليل.. لما حضرتْ معاذاً الوفاةُ قال: اللهم إن كنتَ تعلمُ أنى لم اكنْ أُحبُ الدنيا وطولَ البقاءِ فيها لكرى الأنهارِ.. ولا لغرسِ الشجر.. ولكن لظمأِ الهواجر.. ومكابدةِ الساعات.. ومزاحمةِ العلماءِ بالركبِ عند حِلقِ الذكر.. فيا لله من هذه القلوبِ.. التي أصبح حرمانُ النفسِ من الطعامِ والشرابِ.. أشهى إليها من جري الأنهار.. وغرسِ الأشجار، وعن عبيد الله بنِ محمدٍ التيمي قال حدثني بعضُ أشياخِنا أن رجلاً من عامةِ هذه الأمةِ حضرتُه الوفاةُ فجزعَ جزعاً شديدا وبكى بكاءً كثيراً.. فقيل له في ذلك فقال: ما أبكي إلا على أن يصومَ الصائمون للهِ ولستُ فيهم.. ويصلي المصلون ولستُ فيهم.. ويذكره الذاكرون ولستُ فيهم.. فذاك الذي أبكاني.. أرأيتُم كيف اشتياقُهم لفعلِ الطاعات.. وتهافتَهم لعملِ الخيرات.. لقد فارقوا الملذاتِ.. وهجروا المباحاتِ.. وما حصل منهم ذلك إلا لأنهم ذاقوا طعمَ الإيمانِ.. فبكوا لفراقِ الحياة.. لا حباً فيها.. ولكن لفواتِ تلك الأعمال.. فلا إله إلا الله.. من لم يدخلْ جنةَ الدنيا لم يدخلْ جنةَ الآخرة.. يقول بعضُ العارفين: إنه ليمرُ بالقلبِ أوقاتٌ أقولُ: إن كان أهلُ الجنةِ في مثلِ هذا.. إنهم لفي عيشٍ طيب.. ويقولُ بعضُ المحبين: مساكين أهلُ الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيبَ ما فيها.. قالوا: وما أطيبُ ما فيها.. قال: محبةُ اللهِ والأنسُ به.. والشوقُ إلى لقائهِ.. والإقبالُ عليه.. والإعراضُ عما سواه.

ولم يكنْ صيامُ السلفِ - رحمهم الله - عن الطعامِ والشرابِ فحسب.. وأطلقوا ألسنتَهم بالغيبةِ والنميمةِ والكذبِ والبهتانِ.. والتندرِ بالناسِ والاستهزاءِ بهم.. ولم يكن صيامُهم كسلاً ونوم.. وسهراً بالليلِ إلى قبيلِ الفجر.. كلا.. لم يكنْ من ذلك شيءٌ.. بل كانوا يُحافظون على صيامِهم.. عن كلِ ما يخدشُه.. فهم صاموا نهارَه فأحسنوا الصيام.. وقاموا ليله فأحسنوا القيام.. وبين هذا وذاك تلاوةٌ للقرآن، وذكرٌ واستغفار، وندمٌ وبكاء، وخوفٌ ورجاء، أولئك هم الذين انتفعوا برمضانَ حقَّ الانتفاع.. يقول ابنُ رجبٍ - رحمه الله - (كان السلفُ يتلون القرآنَ في شهرِ رمضانَ في الصلاةِ وغيرِها) وكان التابعيُ الجليلُ قتادةُ - رحمه الله - يختمُ القرآنَ في كلِ سبعِ ليالٍ مرة، فإذا جاءَ رمضانُ ختمَ في كلِ ثلاثِ ليالٍ مرةً، فإذا جاءَ العشرُ ختمَ في كلِ ليلةٍ مرةً، وكان الإمامُ الزهريُ إذا دخلَ رمضانُ قال: إنما هو قراءُة القرآنِ وإطعامُ الطعامِ.. أما عن قيامهِم بالأسحارِ، ومناجاتهِم للواحدِ الغفار.. فيقول السائبُ بنُ يزيد أَمر عمرُ بن الخطابِ أبيَّ بنَ كعبٍ وتميماً الداريَ أن يقوما بالناسِ بإحدى عشرَ ركعةٍ، قال: وقد كان القارئُ يقرأُ بالمئين، حتى كنا نعتمُد على العصيِ من طولِ القيام، وما كنا ننصرفُ إلا في فروعِ الفجر " خشيةَ أن يفوتَنا الفلاحُ ـ أي السَحور ـ.

 

تأليف: أبو مسلم محمود

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 253 زوار و 3 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول