احذر أخي المسلم : أهون الصيام ترك الطعام

احذر أخي المسلم : أهون الصيام ترك الطعام

الحمد لله الذي فرض علينا الصيام، وسن لنا القيام، وجعل ذلك كفارة لما تقدم من الذنوب والآثام، فقال - صلى الله عليه وسلم - "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه"، وصلى الله وسلم وبارك على خير من صلى وقام، محمد بن عبد الله، خيرته من الملائكة والإنس والجان.

اعلم أخي الكريم الموفق إلى الخيرات أن أهون الصيام ترك الطعام والشراب، وهو صوم العوام، إذ الصوم أنواع ودرجات، هي:

-       صيام العوام، وهو الصوم عن الأكل، والشرب، والجماع، مع الانغماس فيما سوى ذلك من المحرمات.

-       صيام خواص العوام، وهو هذا مع اجتناب المحرمات من الأقوال والأفعال.

-       صيام الخواص، وهو الصوم عن غير ذكر الله وعبادته.

-       وصيام خواص الخواص، وهو الصوم عن غير الله، فلا فطر لهم إلا يوم القيامة.

ولهذا قال رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم -، الناصح الأمين: "مَنْ لَمْ يَدَع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يَدَعَ طعامه وشرابه". وقال: "كم من صائم ليس له حظ من صومه إلا الجوع والعطش، وكم من قائم ليس له حظ من قيامه إلا السهر والتعب". ولهذا شبَّه الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصوم بالجُنَّة، فإن الصوم الحقيقي يمنع من قبيح الأقوال والأفعال، كما تمنع الجنة المقاتل من سهام الأعداء، فقال: "الصيام جُنَّة، فلا يرفث ولا يفسق، وإن امرؤ قاتله أوشاتمه فليقل إني صائم مرتين" الحديث، وقال جابر - رضي الله عنه - "إذا صمتَ فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".

ولله در القائل:

إذا لم يكن في السمع مني تصـاون ***وفي بصري غضٌ وفي منطقي صمتُ

حظي إذاً من صومي الجوع والظمأ ***فإن قلتُ إني صمتُ يومي فمـا صمتُ

خرج الإمام أحمد في مسنده: أن امرأتين صامتا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكادتا أن تموتا من العطش، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فأعرض، ثم ذكرتا له، فدعاهما فأمرهما أن يتقيئا، فقاءتا ملء قدح قيحاً، ودماً صديداً، ولحماً عبيطاً، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى، فجعلتا يأكلان لحوم الناس" الحديث، وهذا بيان من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لقوله - تعالى - "ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه".

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي - رحمه الله - (ولهذا المعنى والله أعلم ورد بعد ذكر تحريم الطعام والشراب على الصائم بالنهار ذكر تحريم أكل أموال الناس بالباطل، فإن تحريم هذا عام في كل زمان ومكان بخلاف الطعام والشراب، فكان إشارة إلى أن من امتثل أمر الله في اجتناب الطعام والشراب في نهار رمضان فليمتثل أمره في اجتناب أكل الأموال بالباطل، فإنه محرم بكل حال، لا يباح في وقت من الأوقات).

اعلم أخي الكريم أن من تقرب إلى الله بترك المباحات في غير رمضان- وانغمس فيما حرم الله عليه في طول الأعوام، نحو الكذب، والغيبة، والنميمة، وظلم الناس، مثله كمثل من ترك الفرائض وتقرب إلى الله بالنوافل، فإن تقربه هذا مردود عليه، وكذلك حال من صام عن المباحات واقترف المحرمات في شهر رمضان.

 وقوله - صلى الله عليه وسلم - "فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" لا مفهوم له، وهو مثل قوله: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت"، فليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه، وإنما معناه التحذير والتهديد من قول الزور، وهو نحو قوله - تعالى - "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لا يؤمر بترك الصلاة، وإنما يؤمر بتحسينها وأدائها على الوجه الأكل لتنهاه كما نهت من سلف، فوعد الله حق، وقوله صدق.

ولقد أوَّل أهل العلم هذه الجملة: "فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" بتأويلات وجيهة ومخيفة كلها، وهي:

-        كناية عن عدم القبول لصيامه.

-        أن فاعل ذلك لا يثاب على صيامه، وإن أدى الواجب في الظاهر.

-        لا ينظر إليه الله نظر قبول.

فعليك أخي المسلم أن لا ترضى بأهون الصيام، وبصيام عوام العوام، وعليك أن تسعى لصيام خواص الخواص.

وأخيراً اسأله - سبحانه وتعالى - بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، أن يبارك لنا ولكم فيما تبقى من شعبان، وأن يبلغنا رمضان، وأن يعيننا على الصيام والقيام، وأن يعيد علينا وعليكم رمضان سنين عديدة وأزماناً مديدة، وأن يؤلف بين قلوب المسلمين ويهديهم سبل السلام، وأن يعز الإسلام ويذل المستكبرين المتجبرين من عبدة الأهواء، والصليب، والأوثان، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على سيد ولد عدنان، وتقبل الله منا ومنكم الطاعات، والسلام.

 

جمال زهيرش

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 139 زوار و 13 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول