مشروعية الصيام والقيام بعد رمضان

مشروعية الصيام والقيام بعد رمضان

      إن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ـ أعاذني الله وإياكم من عذاب النار.

أيها الأخوة المؤمنون:

يا أيها الناسـي ليوم رحيلـه ***أراك عن الموت المفرق لاهيـا

ألا تعتبر بالراحلين إلى البـلا ***وتركهم الدنيا جميعـا كما هيـا

ولم يخرجوا إلا بقطن وخرقة *** وما عمروا من منزل ضل خاليا

وأنت غداً أو بعده في جوارهم *** وحيداً فريداً في المقـابر ثاويـا

الانتهاء، والرحيل، من سنن هذه الحياة، فلا بقاء ولا دوام إلا لوجه الله - جل وعلا -، يقول - سبحانه -: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبّكَ ذُو الْجَلْـالِ وَلإكْرَامِ) [الرحمن: 26، 27].

ويقول جل جلاله: (كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [القصص: 88].

فحري بالمسلم أن يكون عاقلا، فيقف مع نفسه يحاسبها وخاصة في هذه الأيام، بعد أن ودعنا شهر رمضان المبارك، وطويت صحائف أعمالنا فيه.

أيها الأخوة المؤمنون، ليكن أول ما تفهم هذه النفس الأمارة، هو أن رمضان وإن انتهى فمواسم الخير لا نهاية لها، وما رمضان إلا مدرسة يتدرب فيها من وفقه الله على فعل البر ومجالات الخير، وهذه ـ أيها الأخوة ـ فائدة من فوائد شهر رمضان الكثيرة، ولذلك تجد الذين وفقوا للقبول في شهر رمضان، يتابعون ما اعتادوا عليه، ويستمرون على فعل الطاعات وما يقربهم لخالقهم،  أما ـ والعياذ بالله ـ الذين لم يوفقوا للقبول في شهر رمضان، الذين رغمت أنوفهم، كما في الحديث المعروف، تجد أن عهدهم بالطاعات، انتهاء شهر رمضان، بل لم يستريحوا، ولم يهدأ لهم بال، حتى جعلوا رمضان وراء ظهورهم، فهجروا طاعة ربهم، وعادوا إلى ما كانوا عليه قبل رمضان، بل عادوا أسوأ من ذلك ـ والعياذ بالله.

أيها الأخوة المؤمنون، فلنعود أنفسنا على ما اعتادت عليه في رمضان، ولنشعرها بأن ما كانت تعمل في رمضان، مشروع في غير رمضان، ومتى ما عملناه فإن الله يقبله، ويثيبنا عليه، ويرفع درجاتنا بأسبابه.

فهذا القيام، الذي كنا نحرص عليه في رمضان، مشروع في غير رمضان، وهو ديدن الصالحين، وشرف عباد الله المؤمنين، يقول الله - تعالى -إخبارا عن سلف هذه الأمة: (كَانُواْ قَلِيلاً مّن الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) [الذاريات: 17]، ما الذي أسهرهم؟ متابعة القنوات الفضائية؟ لا. أسهرهم قيام الليل. ويقول- تبارك وتعالى -عنهم: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَـاهُمْ يُنفِقُونَ) [السجدة: 16].

تتجافى جنوبهم: يعني ترتفع وتنزعج عن مضاجعها اللذيذة، إلى ما هو ألذ عندهم منه وأحب إليهم، وهو الصلاة في الليل ومناجاة الله جل جلاله.

فقيام الليل مشروع حتى في غير رمضان، بل كان الرسول يحذر من تركه لمن اعتاد عليه، فقد جاءه عبد الله بن عمرو فقال له: ((يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل)). وذكر مرة عنده رجلا نام ليلة حتى أصبح، فقال: ((ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه)). الله المستعان ـ أيها الأخوة ـ كم الذين تبول الشياطين في آذانهم؟ كم الذين حرموا من مناجاة ربهم، الذي ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا ـ في الثلث الأخير من الليل ـ يقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟

يقول جابر بن عبد الله سمعت الرسول يقول: ((إن في الليل لساعةً لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله - تعالى -خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه وذلك كل ليلة)) والحديث رواه مسلم. أين الذين أثقلت كواهلهم الديون؟ أين الذين توالت عليهم الهموم؟ أين ذووا الحاجات؟ فلنحذر يا عباد الله تثبيط الشيطان، فإنه يجتهد ليحرمنا مثل هذا الفضل العظيم، وقد حذرنا نبينا من ذلك، ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة أنه قال: ((يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة، عليك ليلٌ طويلُ فارقد. فإن استيقظ فذكر الله - تعالى -انحلت عقدة، فإن توضأ، انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كلُها، فأصبح نشيطا، طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)) والحديث متفق عليه.

وقيام الليل ـ أيها الأخوة ـ من أسباب دخول الجنة، يقول الرسول: ((أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)).

وقد دعى الرسول بالرحمة للذين يقومون الليل ويوقظون أزواجهم، ففي الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: ((رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت، نضح في وجهها الماء. رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء)).

ولا تنسوا الوتر ـ يا عباد الله ـ الثلاث ركعات التي كنا نختم بها صلاة الليل في رمضان، التي كنا نقرأ بها بسور الأعلى والكافرون وقل هو الله أحد، هذا هو الوتر، يحبه الله - عز وجل -، يقول علي بن أبي طالب: الوتر ليس بحتم كصلاة المكتوبة، ولكن رسول الله  قال: ((إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن)). وعن ابن عمر - رضي الله عنهما -، عن النبي قال: ((اجعلوا آخر صلاتكم وترًا)) والحديث متفق عليه. فلنحافظ على الوتر، فقد كان النبي يوصي به، ويحافظ عليه في الحضر والسفر.

تأليف: عبيد بن عساف الطوياوي

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 124 زوار و 4 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول