من مظاهر التيسير والتربية في الصيام

من مظاهر التيسير والتربية في الصيام

شريعة الإسلام هي شريعة اليسر والسماحة، ورفع الحرج عن المكلفين، كما أنها شريعة التربية للإنسان، ليكون سوياً صالحاً، يعمر الأرض بعبادة الله - تعالى -وطاعته.والعبادات في الإسلام لها حكم عظيمة، وغايات نبيلة، ومع ما فيها من الأجور العظيمة لمن أداها، ففيها أيضاً، إصلاح للقلوب، وتزكية للنفوس، وتربية للسلوك والأخلاق.

وفريضة الصيام من أعظم الفرائض التي تربي المسلم على الصبر، وقوة الإرادة، والتحكم في نزوات النفس البشرية وشهواتها، ويكفي في الصيام أن الله - تعالى -علله بالتقوى في قوله - عز وجل -: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" - البقرة: 183.

ومظاهر التيسير في الصيام كثيرة، والله - تعالى -برحمته ومنته على عباده خفف عنهم ما فيه عسر ومشقة عليهم، ويتجلى ذلك في أحكام كثيرة يظهر فيها التخفيف. ومن شفقة النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته، ورحمته بهم، وحرصه على هدايتهم وتعليمهم ما ينفعهم على وفق قول الله - تعالى -: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم "- التوبة: 128، كان - عليه الصلاة والسلام - يصحح الأخطاء في الصيام بأسلوب رقيق تقبله النفوس، لا تعنيف فيه ولا شدة ولما رأيت أهمية ذلك أردت نفع نفسي وإخواني القراء الكرام على مظاهر التيسير في الصيام، وعلى تهذيب النبي - صلى الله عليه وسلم - للسلوكيات الخاطئة في الصوم، وجعلته على شكل مسائل:

أولاً: التيسير في الصيام:

مظاهر التيسر في الصيام كثيرة، وقد تكلم عنها العلماء قديماً وحديثاً، ومن تلك المظاهر:

-         المظهر الأول: الفطر في المرض والسفر: قال الله - تعالى - (فمن كان منكم مريضا أو على" سفر فعدة من أيام أخر) البقرة: 184.

قال سعيد بن جبير: "الفطر في السفر رخصة والصوم أفضل"(1). وقيل للقاسم بن محمد: "إنا نسافر في الشتاء في رمضان فإن صمت فيه كان أهون علي من أن أقضيه في الحر فقال: قال الله: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" 185.

قال الطبري: "وهذا القول عندنا أولى بالصواب، لإجماع الجميع على أن مريضاً لو صام شهر رمضان وهو ممن له الإفطار لمرضه أن صومه ذلك مجزئ عنه ولا قضاء عليه إذا برأ من مرضه بعدة من أيام أخر؛ فكان معلوماً بذلك أن حكم المسافر حكمه في أن لا قضاء عليه إن صامه في سفره، لأن الذي جعل للمسافر من الإفطار وأمر به من قضاء عدة من أيام أخر مثل الذي جعل من ذلك للمريض وأمر به من القضاء، ثم في دلالة الآية كفاية مغنية عن استشهاد شاهد على صحة ذلك بغيرها، وذلك قول الله - تعالى -ذكره: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم "، ولا عسر أعظم من أن يلزم من صامه في سفره عدة من أيام أخر، وقد تكلف أداء فرضه في أثقل الحالين عليه حتى قضاه وأداه...ثم في تظاهر الأخبار عن رسول الله بقوله إذا سئل عن الصوم في السفر إن شئت فصم وإن شئت فأفطر(3).

وقال ابن كثير: "ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر لقوله: (فعدة من أيام أخر) والصحيح قول الجمهور: أن الأمر في ذلك على التخيير وليس بحتم؛ لأنهم كانوا يخرجون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شهر رمضان قال: فمنا الصائم ومنا المفطر فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، فلو كان الإفطار هو الواجب لأنكر عليهم الصيام بل الذي ثبت من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان في مثل هذه الحالة صائماً...

قالت طائفة منهم الشافعي: الصيام في السفر أفضل من الإفطار لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم، وقالت طائفة: بل الإفطار أفضل أخذاً بالرخصة، ولما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الصوم في السفر فقال: من أفطر فحسن ومن صام فلا جناح عليه"(4).

وعن المرض الذي يبيح الفطر قال الطبري: "والصواب من القول في ذلك عندنا أن المرض الذي أذن الله - تعالى - ذكره بالإفطار معه في شهر رمضان من كان الصوم جاهده محتمل فكل من كان كذلك فله الإفطار وقضاء عدة من أيام أخر، وذلك أنه إذا بلغ ذلك الأمر فإن لم يكن مأذوناً له في الإفطار فقد كلف عسراً ومنع يسراً".ولا شك أن الحكمة من الفطر في السفر والمرض هو التيسير، قال ابن كثير: "إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض والسفر مع تحتمه في حق المقيم الصحيح تيسيراً بكم".

-          المظهر الثاني: تأخير السحور وتعجيل الفطر: عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تسحروا فإن في السحور بركة".

وعن عمرو بن العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "فَصْلِ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر". وعن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: "كنت أتسحر في أهلي ثم تكون سرعتي أن أدرك السجود مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ".

وعن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: "تسحرنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قام إلى الصلاة قلت كم كان بين الأذان والسحور قال قدر خمسين آية".

وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم".

وعن سهل بن سعد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر".

-           المظهر الثالث: النهي عن الوصال: عن عبد الله - رضي الله عنه -: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - واصل فواصل الناس، فشق عليهم فنهاهم قالوا: إنك تواصل! قال: "لست كهيئتكم إني أظل أطعم وأسقى". وعن ابن عمر - رضي الله عنهما -: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الوصال قالوا: إنك تواصل قال: "إني لست كهيئتكم إني أُطعم وأسقى". وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إياكم والوصال" قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله! قال: "إنكم لستم في ذلك مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون".

-          المظهر الرابع: الجنابة للصائم: عن عائشة وأم سلمة: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم".

-           المظهر الخامس: النسيان في الصيام: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه".

-          المظهر السادس: من جامع في رمضان: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "بينما نحن جلوس عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت! قال: "ما لك؟ " قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هل تجد رقبة تعتقها؟ " قال: لا، قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا، فقال: "فهل تجد سنان ستين مسكيناً؟ " قال: لا، قال: فمكث النبي - صلى الله عليه وسلم - فبينا نحن على ذلك أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرق فيه تمر، - والعرق المكتل - قال: "أين السائل؟ " فقال: أنا. قال: "خذ هذا فتصدق به"، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله! فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي! فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت أنيابه، ثم قال: "أطعمه أهلك".

-         المظهر السابع: الفطر في السفر: عن أنس - رضي الله عنه - قال: "كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثرنا ظلاً الذي يستظل بكسائه، وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئاً، وأما الذين افطروا فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "ذهب المفطرون اليوم بالأجر". وعن أنس - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر فصام بعض وأفطر بعض، فتحزم المفطرون وعملوا وضعف الصوام عن بعض العمل؛ قال: فقال في ذلك: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر".

-         المظهر الثامن: قضاء الصيام عن الميت: عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه". وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: "نعم"، قال: "فدين الله أحق أن يقضى".

-         المظهر التاسع: التنطع في الصوم: زار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة! فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا! فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً، فقال: كل، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل! قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان من آخر الليل، قال سلمان: قم الآن فصليا، فقال: له سلمان إن لربك عليك حقاً ولنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صدق سلمان"(23). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا عبد الله ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ " فقلت: بلى يا رسول الله! قال: "فلا تفعل صم وأفطر وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها فإن ذلك صيام الدهر كله فشددت فشدد عليَّ قلت: يا رسول الله إني أجد قوة! قال: "فصم صيام نبي الله داود - عليه السلام - ولا تزد عليه"، قلت: وما كان صيام نبي الله داود - عليه السلام -؟ قال: "نصف الدهر" فكان عبد الله يقول بعدما كبر: يا ليتني قبلت رخصة النبي - صلى الله عليه وسلم - ". وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - أني أسرد الصوم وأصلي الليل، فإما أرسل إلي وإما لقيته فقال: "ألم أُخْبر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي ولا تنام؟ فصم وأفطر وقم ونم، فإن لعينك عليك حظاً وإن لنفسك وأهلك عليك حظاً، قال: إني لأقوى لذلك، قال: "فصم صيام داود - عليه السلام -"، قال: وكيف؟ قال: "كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى"، قال: من لي بهذه يا نبي الله! قال عطاء: لا أدري كيف ذكر صيام الأبد! قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا صام من صام الأبد مرتين".

-         المظهر العاشر: القبلة للصائم: عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل إحدى نسائه وهو صائم ثم تضحك". وعنها - رضي الله عنها -: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبلها وهو صائم".

تأليف:محمد حمدي الجندي

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 141 زوار و 5 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول