السنن في مناسك الحج (1)

السنن في مناسك الحج (1)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن والاه. أما بعد:

فإن الحج المبرور من أعظم المطالب للمؤمن؛ لأنه ليس له جزاء إلا الجنة، وهو الذي لا رياء فيه، ولا سمعة، ولم يخالطه إثمٌ، ولا يعقبه معصية، وهو الحج الذي وُفّيت أحكامه، ووقع موقعاً كما طُلب من المكلف، على الوجه الأكمل: من القيام بشروطه، وأركانه، وواجباته، وآدابه، ومستحباته([1]).

وسأقتصر على بيان سنن مناسك الحج التي يبلغ بها درجة الكمال، والإحسان باختصار عل النحو الآتي:

أولاً: سنن الإحرام:

1.     تقليم الأظفار، وقص الشارب، ونتف الإبطين، وحلق شعر العانة، قبل الإحرام؛ لما في ذلك من إزالة الأوساخ، والنظافة؛ ولأن ذلك من سنن الفطرة؛ لحديث أبي هريرة –رضى الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: ((الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب))([2]).

2.     الغسل عند الإحرام؛ لحديث زيد بن ثابت –رضى الله عنه- أنه رأى النبي  –صلى الله عليه وسلم- ((تجرد لإهلاله واغتسل))([3]).

3.     التطيب في البدن قبل الإحرام؛ لحديث عائشة رضي الله عنها، قالت: ((كان رسول الله  –صلى الله عليه وسلم-إذا أراد أن يُحرم تطيب بأطيب ما يجد، ثم أرى وبيص الطيب في رأسه ولحيته بعد ذلك)) ([4]).

4.     إحرام الرجل في إزار ورداء أبيضين؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله  –صلى الله عليه وسلم-: ((البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفِّنوا فيها موتاكم...)) ([5]).

5.     الإحرام في نعلين؛ لحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي  –صلى الله عليه وسلم-أنه قال: ((ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين)) ([6]).

6 – الإحرام بعد صلاة فريضة؛ لأن النبي r أحرم بعد صلاة الظهر؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((صلى رسول الله  –صلى الله عليه وسلم- الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته وأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وقلدها نعلين ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج...)) ([7]). فإن لم يكن في وقت صلاة فريضة، فإنه يصلي ركعتي الوضوء؛ لأن النبي  –صلى الله عليه وسلم- ((تجرد لإهلاله واغتسل)) وقد شرع r لأمته ركعتي الوضوء، والصواب أنها تُصلَّى في أي ساعة من ليل أو نهار، وإذا كان الإحرام من ميقات ذي الحليفة فصلَّى في وادي العقيق فريضة أو نافلة ثم أحرم بعدها، فلا بأس؛ لحديث عمر بن الخطاب –رضى الله عنه-، قال: سمعت رسول الله  –صلى الله عليه وسلم- بوادي العقيق يقول: ((أتاني الليلة آتٍ من ربي فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة)) ([8]).

7 – التحميد، والتسبيح، والتكبير عند الاستواء على المركوب قبل التلبية؛ لحديث أنس –رضى الله عنه- قال: صلى رسول الله  –صلى الله عليه وسلم- ونحن معه بالمدينة الظهر أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء: حمد الله، وسبح، وكبَّر، ثم أهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما، فلما قدمنا أمر الناس فحلُّوا، حتى كان يوم التروية أهلُّوا بالحج)) ([9]).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ((قوله عند الركوب)) أي بعد الاستواء على الدابة لا حال وضع الرجل مثلاً في الركاب، وهذا الحكم – وهو استحباب التسبيح، وما ذكر معه قبل الإهلال – قلَّ من تعرض لذكره مع ثبوته)) ([10]).

8 – التلفظ بالإهلال بالتلبية ونية الدخول في النسك يكون عند الاستواء على المركوب؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((أهل النبي  –صلى الله عليه وسلم- حين استوت به راحلته قائمة)) ([11]).

9 – الإهلال بالتلبية مستقبل القبلة، فعن نافع قال: ((كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا صلى الغداة بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت له، ثم ركب فإذا استوت به استقبل القبلة قائماً ثم يلبِّي، حتى يبلغ الحرم ثم يمسك حتى إذا جاء ذا طُوىً بات حتى يصبح، فإذا صلى الغداة اغتسل، وزعم أن رسول الله  –صلى الله عليه وسلم- فعل ذلك)) ([12]).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول عن هذا الحديث: ((وهذا يدل على استقبال القبلة عند الإهلال، وهو معلق صحيح)) ([13]). وقال الألباني رحمه الله: ((وقد وصله أبو نعيم في المستخرج)) ([14]).

10 – رفع الصوت بالتلبية؛ لحديث السائب بن خلاد –رضى الله عنه- قال: قال رسول الله  –صلى الله عليه وسلم-: ((أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية)) ([15]).

ثانياً: سنن دخول مكة:

11 –1- المبيت بذي طوى؛ لحديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى،ثم يصلي به الصبح،ويغتسل،ويُحدّث أن النبي  –صلى الله عليه وسلم- كان يفعله))([16]).

أما الإمساك عن التلبية إذا دخل الحرم، فسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: ((المحفوظ عن النبي  –صلى الله عليه وسلم-أنه كان يلبِّي حتى يشرع في الطواف، وهذا اجتهاد من ابن عمر رضي الله عنهما)) ([17]).

12 –2- الاغتسال لدخول مكة؛ لحديث نافع السابق أن ابن عمر كان يفعله ((ويحدث أن النبي  –صلى الله عليه وسلم-كان يفعل ذلك)) ([18]).

13 –3- دخول مكة نهاراً، فعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((بات النبي  –صلى الله عليه وسلم-بذي طوى حتى أصبح، ثم دخل مكة، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يفعله)) ([19]).

وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: ((هذا هو الأفضل إن تيسر سواء في العمرة أو في الحج، وإن دخلها ليلاً
فلا بأس)) ([20])([21]).

14 –4- دخول مكة من أعلاها، والخروج من أسفلها إن تيسير، لحديث عائشة رضي الله عنها: ((أن النبي  –صلى الله عليه وسلم-لما جاء إلى مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها)) ([22]).

فأعلى مكة كَداء، وأسفلها كُدى، وهما موضعان بمكة([23])، وهما الثنية العليا، والثنية السفلى([24])، وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: ((وأهل مكة يقولون: ادخل وافتح، واخرج واضمم، كَداء، وكُداء))([25]).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((كان رسول الله  –صلى الله عليه وسلم-يدخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنيَّة السفلى)) ([26]).

وهذا من باب الأفضلية، وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله يقول: ((وهذا هو الأفضل أيضاً)) ([27]).

15 –5- يقدم رجله اليمنى عند دخول المسجد الحرام، ويقول دعاء دخول المسجد([28]).



([1])  انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 9/ 119، وفتح الباري لابن حجر، 3/ 382.

([2]) البخاري، برقم 5888، 5890، ومسلم، برقم 257، وتقدم تخريجه في الإحرام.

([3]) الترمذي، برقم 830، وابن خزيمة، 4/161، وصحح الألباني في صحيح الترمذي، 1/433، وتقدم تخريجه في الإحرام.

([4]) البخاري، برقم 1538، ورقم 271، 5918، 5923، ومسلم، برقم 1190، وتقدم تخريجه في الإحرام.

([5]) أبو داود، بلفظه، كتاب الطب، باب في الأمر بالكحل، برقم 3878، والترمذي، كتاب الجنائز، باب ما يستحب من الأكفان، برقم 994، وابن ماجه، كتاب الجنائز، باب ما جاء فيما يستحب من الكفن، برقم 1472، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، 1/502.

([6]) أحمد، 2/34، وذكره الحافظ في التلخيص، 2/237، وعزاه لأبي عوانة بسند على شرط الصحيح.

([7]) مسلم، برقم 25 – (1243) وتقدم تخريجه في الإحرام.

([8]) البخاري، برقم 1534، وتقدم تخريجه في الإحرام.

([9]) البخاري، كتاب الحج، باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال عند الركوب على الدابة، برقم 1551.

([10]) فتح الباري، لابن حجر، 3/412.

([11]) البخاري، برقم 1552، 166، 1514، 1609، 2865، 5151، ومسلم برقم 1186، وتقدم تخريجه في الإحرام.

([12]) البخاري، برقم 1553، وتقدم تخريجه في الإحرام.

([13]) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم 1553.

([14]) مختصر صحيح البخاري، كتاب الحج، باب 29، 1/459.

([15]) أبو داود، برقم 1814، والترمذي، برقم 829، وابن ماجه، برقم 1926، وصححه الألباني، في صحيح الترمذي، 1/433، وتقدم تخريجه في التلبية.

([16]) البخاري، كتاب الحج، باب الاغتسال عند دخول مكة، برقم 1573، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب المبيت بذي طوى عند إرادة دخول مكة، والاغتسال لدخولها، ودخولها نهاراً، برقم 1259.

([17]) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم 1573.

([18]) البخاري، كتاب الحج، باب الاغتسال عند دخول مكة، برقم 1573، ومسلم، برقم 1259، وتقدم.

([19]) البخاري، كتاب الحج، باب دخول مكة نهاراً أو ليلاً، برقم 1574.

([20]) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم 1574.

([21]) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله: ((باب دخول مكة نهاراً أو ليلاً)) أورد فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما في المبيت بذي طوى حتى يصبح، وهو ظاهر في الدخول نهاراً، وقد أخرجه مسلم من طريق أيوب عن نافع بلفظ: ((كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح، ويغتسل، ثم يدخل مكة نهاراً))، وأما الدخول ليلاً فلم يقع منه  –صلى الله عليه وسلم- إلا في عمرة الجعرانة؛ فإنه –صلى الله عليه وسلم- أحرم من الجعرانة، ودخل مكة ليلاً، فقضى أمر العمرة، ثم رجع ليلاً فأصبح بالجعرانة، كبائتٍ، كما رواه أصحاب السنن الثلاثة، من حديث محرش الكعبي، وترجم عليه النسائي ((دخول مكة ليلاً)) وروى سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي قال: ((كانوا يستحبون أن يدخلوا مكة نهاراً، ويخرجون منها ليلاً))، وأخرج عن عطاء: إن شئتم فادخلوا ليلاً، إنكم لستم كرسول الله –صلى الله عليه وسلم-، إنه كان إماماً فأحب أن يدخلها نهاراً، ليراه الناس، انتهى، وقضية هذا أن من كان إماماً يقتدى به استحب له أن يدخلها نهاراً)) [فتح الباري لابن حجر، 3/436].

([22]) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب من أين يخرج من مكة، برقم 1577، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا والخروج منها من الثنية السفلى، برقم 1258.

([23]) قال أبو عبدالله [أي البخاري] رحمه الله: ((كَداءٌ، وكُداً موضعان)) [أي بمكة]، آخر حديث رقم 1581 من صحيح البخاري، وجاء في سنن أبي داود، برقم 1868 عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله r عام الفتح من كَدَاء من أعلى مكة، ودخل في العمرة من كُدى)) [قال الشوكاني في نيل الأوطار، 3/365: ((كداء)) بفتح الكاف والمد، قال أبو عبيدة: لا تصرف، وهي الثنية العليا، قوله: ودخل العمرة من كُدى بضم الكاف والقصر وهي الثنية السفلى... قال عياض والقرطبي وغيرهما: ((اختلف في ضبط كداء وكُدى، فالأكثر على أن العليا بالفتح والمد، والسفلى بالقصر والضم)).

([24]) الثنية: كل عقبة في جبل أو طريق عالٍ فيه تسمى ثنية [فالثنية الطريق العالي] والثنية العليا هي التي ينزل منها إلى المعلى [أو المعلاة] مقبرة أهل مكة [وهي كَداء] وهي التي يقال لها الحجون بفتح المهملة وضم الجيم، وكانت صعبة المرتقى فسهلها معاوية، ثم عبدالملك، ثم المهدي، على ما ذكره الأزرقي، قال الحافظ ابن حجر: ((ثم سُهِّل في عصرنا هذا منها سنة إحدى عشرة وثمان مئة موضع، ثم سهلت كلها في زمن سلطان مصر الملك المؤيد في حدود العشرين وثمان مائة)) والثنية السفلى [كُدا] عند باب الشبيكة بقرب شعب الشاميين، من ناحية قعيقان، وكان بناء هذا الباب عليها في القرن السابع [انتهى بتصرف من فتح الباري لابن حجر، 3/437].

([25]) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم 1579.

([26]) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب من أين يدخل مكة، برقم 1575، ومسلم، كتاب الحج،باب استحباب دخول مكة من الثنية السفلى والخروج منها من الثنية السفلى،برقم 1257.

([27]) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري الحديث رقم 1575.

([28]) وسيأتي تخريجه إن شاءالله تعالى في صفة دخول مكة..

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 157 زوار و 3 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول