باب المسح على الخفين

باب المسح على الخفين

أي باب أدلة مشروعية المسح على الخفين وغيرهما من الحوائل. والمسح لغة إمرار اليد على الشيء. وشرعًا إصابة البلة لخف مخصوص في زمن مخصوص والخفين تثنية خف واحد الخفاف التي تلبس على الرجل سمي به لخفته وهو شرعًا الساتر للكعبين من جلود ونحوها أعقب الوضوء به لأنه بدل عن غسل ما تحته. وهو رخصة.. وهي ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح. وهو أحاديث المسح.

قال أحمد ليس في قلبي من المسح شيء. فيه أربعون حديثًا عن النبي –صلى الله عليه وسلم- وقال الحسن حدثني سبعون من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم - أنه مسح على الخفين. وقال ابن المبارك ليس في المسح على الخفين بين الصحابة اختلاف. وصرح جمع من الحفاظ بأنه ثبت بالتواتر. واتفق عليه أهل السنة والجماعة. قال شيخ الإسلام السنة مبينة لآية المائدة. وحمل قراءة الخفض عليه.

(عن جرير بن عبد الله) البجلي الصحابي الجليل. روي أنه –عليه الصلاة والسلام- قال من أهل البيت توفي سنة إحدى وخمسين (قال رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم - بال ثم توضأ ومسح على خفيه) قال إبراهيم فكان يعجبهم هذا الحديث لأن
إسلام جرير كان بعد نزول المائدة (متفق عليه) زاد أبو داود. مـا أسلمت إلا بعد المائدة. وهذا الحديث نص واضح في جواز المسح على الخفين قال بعض أهل العلم المراد به الخف الكامل يعني غير ممزق. وقال شيخ الإسلام. أجاز المسح على الخفين مطلقًا.

والتحديد لا بد له من دليل. فدخل المفتوق. والمخرق وغيرهما بل علق المسح بمسمى الخف من غير تحديد. فمن فرق بين خف وخف فقد فرق فرقًا لا أصل له.

(ولهما عن المغيرة بن شعبة "توضأ) أي أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوضوء (فأهويت) أي مددت يدي أو قصدت الهوي من قيام (لأنزع خفيه) لعله ظن أنه لم يحصل شرط المسح (فقال دعهما) أي الخفين (فإني أدخلتهما طاهرتين) حال من الخفين. أي أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان.

وهذا يدل على اشتراط الطهارة في اللبس لتعليله عدم النزع بإدخالهما طاهرتين.

وهو مقتض أن إدخالهما غير طاهرتين يقتضي النزع. وهو مذهب الجمهور. ويأتي حديث صفوان "إذا نحن أدخلناهما على طهر". قال النووي إن لبس محدثًا لم يجزئه المسح إجماعًا. بل إن لبس على طهارة. فإذا أحدث حدثًا أصغر جاز له بعد ذلك المسح عليهما. قال المغيرة (فمسح عليهما) يعني على الخفين.

وذكر البزار. أنه روي عن المغيرة من ستين طريقًا. وفيه الدلالة الواضحة على جواز المسح على الخفين إذا توضأ وضوءًا كاملاً ثم أدخلهما. قال الشيخ فله المسح عليهما بلا نزاع. (وعنه) أنه – صلى الله عليه وسلم - (توضأ ومسح على الجوربين) وأحدهما جورب والجمع جوارب أعجمي معرب يلبس في الرجل على هيئة الخف من غير جلد (والنعلين) أي الملبوسين فوق الجوربين. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. و (صححه الترمذي) وتكلم فيه بعضهم وله شواهد. وقال ابن المنذر يروى إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم - ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة. ولأنهما في معنى الخف لأنه ساتر لمحل الفرض. وإذا كانا منعلين فلا نزاع في جوازه. أما النعلان والخفان المقطوعان وكلما يلبس تحت الكعب من مداس وجمجم وغيرهما فلا يجوز المسح عليهما. قال شيخ الإسلام باتفاق المسلمين.

(وعن عمرو بن أمية) بن خويلد الضمري صحابي مشهور له أحاديث وشجاعة مات قبل الستين قال (رأيته) يعني رسول الله – صلى الله عليه وسلم - (يمسح على عمامته وخفيه) رواه البخاري) والعمامة ما يلف على الرأس جمعها عمائم سواء كانت محنكة أو ذات ذوآبة ولمسلم عن المغيرة "ومسح بناصيته وعلى العمامة والخفين". وللترمذي وصححه عنه ومسح على الخفين والعمامة.

والمسح على العمامة أخرجه غير واحد من طرق قوية متصلة الأسانيد. وقال عمر من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله. وهو قول أبي بكر وغيره من الصحابة. ولم يعرف لهم مخالف ولفظ  مسلم "بناصيته وعلى العمامة" لا يوجب الجمع بينهما. لأنه لو وجب لما اكتفى بالعمامة عن الباقي.

(ولأحمد عن بلال) بن رباح الحبشي المؤذن اشتراه أبو بكر لما عذبه المشركون وأعتقه فلزم النبي – صلى الله عليه وسلم - وأذن له وشهد المشاهد كلها مات بالشام سنة العشرين (رأيته) يعني رسول الله – صلى الله عليه وسلم - (يمسح على الموقين) تثنية موق فارسي معرب من موزة وهو الجرموق. وهما ضرب من الخفاف قاله ابن سيدة وغيره.

وأخرج المسح عليهما أبو داود وغيره وجواز المسح عليهما مذهب جمهور العلماء. وقال أبو حامد قول كافة العلماء ومن تدبر ألفاظ الشريعة وأعطى القياس حقه علم أن الرخصة في هذا الباب واسعة. وإن ذلك من محاسن الشريعة. ومن الحنيفية السمحة (والخمار) وفي رواية عنه "امسحوا على الخفين والخمار" متفق عليه. والخمار جمعه خمر. وكل ما ستر شيئًا فهو خماره. والخمار العمامة لأنها تخمر الرأس أي تغطيه.

والخمار النصيف. وفي رواية لسعيد بن منصور عنه "على النصيف" والنصيف هو الخمار. وما تغطي به المرأة رأسها ولمشقة نزعه كالعمامة فقد يعطي حكمها. وذكر ابن المنذر أن أم سلمة كانت تمسح على خمارها. قال شيخ الإسلام في خمر النساء من الرخصة التي تشبه أصول الشريعة. وتوافق الآثار الثابتة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - فإن خافت من البرد ونحوه مسحت على خمارها فإن أم سلمة كانت تمسح على خمارها. وينبغي أن تمسح مع هذا بعض شعرها. وأما إذا لم يكن بها حاجة إلى ذلك ففيه نزاع بين العلماء.

(ولأبي داود عن جابر مرفوعًا) في قصة صاحب الشجة (قال ويعصب) من عصب الشيء لواه وشده (على جرحه خرقة) أي يشد على الشق على بعض جسده خرقة. وهي القطعة من الثوب (ثم يمسح عليها) أي على العصابة. ولابن ماجه عن علي قال انكسرت إحدى زندي فسألت رسول الله – صلى الله عليه وسلم - فأمرني أن أمسح على الجبائر". ومسح ابن عمر على العصابة وأجمع الأئمة عليه إلا في أحد قولي الشافعي. وقال البيهقي هو قول الفقهاء من التابعين ومن بعدهم.

قال شيخ الإسلام مسح الجبيرة يقوم مقام غسل العضو لأن مسحه على حائل فأجزأ من غير تيمم كمسح الخف بل أولى. والحاصل أنه إن قدر على غسل الجرح من غير ضرر وجب. وإن خاف ضررًا مسح على الجرح مباشرة. فإن خاف ضررًا من وصول البلل إليه من المسح، فإنه يجعل عليه جبيرة. ثم يمسح على الجبيرة مسحة واحدة.

(وعن علي) بن أبي طالب –رضي الله عنه- هو ابن عم رسول الله – صلى الله عليه وسلم - وزوج ابنته فاطمة –رضي الله عنها- وأول من أسلم من الصبيان والخليفة الرابع ومناقبه مشهورة استشهد سنة أربعين (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوم وليلة للمقيم) يعني في المسح على الخفين (رواه مسلم) وأصحاب السنن وغيرهم وللترمذي وغيره ونحوه وصححه وابتداء المدة من الحدث بعد اللبس على الصحيح لأنه الموجب للوضوء.

وعن صفوان بن عسال قال "أمرنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم - أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناها على طهر ثلاثًا إذا سافرنا. ويومًا وليلة إذا أقمنا. ولا نخلعهما من غائط ولا بول. ولا نخلعهما إلا من جنابة" رواه أحمد وغيره وصححه الترمذي وغيره. وقال البخاري هو أحسن حديث في هذا الباب. وقال الترمذي هو قول العلماء من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم - والتابعين، ومن بعدهم من الفقهاء. وقال أحمد هو من أجود حديث في المسح لأنه في غزوة تبوك آخر غزوة غزاها النبي – صلى الله عليه وسلم -.

وله عن عوف بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام للمسافر ولياليهن وللمقيم يومًا وليلة" وقال الطحاوي ليس لأحد أن يترك الآثار المتواترة في التوقيت إلى مثل حديث ابن عمارة. وفي حديث صفوان زيادة اختصاص الوضوء دون الغسل، وهو إجماع.  وفيه دلالة على الندبية وليس بواجب إجماعًا وقال ابن المنذر وغيره المسح أفضل لهذا الخبر وغيره. ولأجل من طعن في المسح من أهل البدع والخوارج والروافض. وإحياء ما طعن فيه المخالفون من السنن أفضل من تركه وقال شيخ الإسلام وغيره الأفضل في حق كل أحد ما هو الموافق لحال قدمه. فالأفضل للابس الخف أن يمسح عليه ولا ينـزع خفيه اقتداء بالنبي – صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. والأفضل لمن قدماه مكشوفتان غسلهما ولا يتحرى لبس الخف ليمسح وهذا أعدل الأقوال.

(وعنه لو كان الدين بالرأي([1]) أي لو كان بمجرد استحسان العقل من غير نظر إلى الاتباع والاقتداء (لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه) أي لكان ما تحته أحق بالمسح من الذي هو أعلاه لأنه الذي يباشر المشي ويقع على ما ينبغي إزالته ولكن الأصل في العبادات التشريع (وقد رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم - يمسح على ظاهر خفيه رواه أبو داود) ورواه أحمد وغيره. وقال الحافظ إسناده صحيح. وعن المغيرة مرفوعًا "رأيته يمسح على ظهور الخفين" صححه الترمذي وغيره. وقال البخاري هو أصح من حديث رجاء بن حيوة أنه مسح أعلى الخف وأسفله فإنه ليس بصحيح. وكذا قال أبو زرعة. وكان أحمد يضعفه.

وقال ابن القيم لم يصح عنه – صلى الله عليه وسلم - مسح أسفلهما وإنما جاء في حديث منقطع. والأحاديث الصحيحة على خلافه. وقال الوزير أجمعوا على أن المسح يختص بما حاذى ظاهر الخف.

ويسن أن يمسح بأصابع يديه على ظهور قدميه اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى ويفرج أصابعه. وكيف ما مسح أجزأ إذ لم يرد في كيفية المسح ولا الكمية حديث يعتمد عليه. فحيث فعل ما يسمى مسحًا على الخف لغة أجزأ. وأجمعوا على أن المسح عليه مرة واحدة مجزئ وأنه لا يسن تكراره.

من كتاب: الإحكام، شرح أصول الإحكام

تأليف: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم

 

 


([1]) يعني العقل، ولا يلزم منه إبطال العقل من كل وجه، فإن العقل الصحيح لا يعارض النقل الصريح، ولكن قد ينسب ما هو في باطن الأمر بخلاف ذلك، وقد يكون هذا هو العقل، ولكن خفف عن الأمة مسح الأسفل وجعل بدله الأعلى للنظافة فالله أعلم.

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 258 زوار و 3 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول