التيمم

 التيمم

في اللغة القصد. ثم كثر استعماله حتى صار علمًا على مسح الوجه واليدين بالتراب. وهو من خصائص هذه الأمة لم يجعله الله طهورًا لغيرها توسعة لها. وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع وبدل من الطهارة بالماء إجماعًا (قال تعالى: "فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا) أي أقصدوا ترابًا طاهرًا هذا مذهب الشافعي وأحمد لقوله "وجعلت تربتها لنا طهورًا" وقال ابن كثير وغير واحد الصعيد هو كلما صعد على وجه الأرض فيدخل فيه التراب والرمل وغير ذلك، وهذا مذهب  أبي حنيفة ومالك. والقول الثاني لأحمد. وقال الزجاج وغيره لا أعلم خلافًا بين أهل العلم في أن الصعيد وجه الأرض ترابًا كان أو غيره وذهب أهل التحقيق إلى أن المتعين التراب مع وجوده. وإلا فالرمال ونحوها. والطيب الطاهر بالإجماع.

{فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} أي من الصعيد الطيب وفيه وجوب مسح الوجه واليدين في التيمم وهو
إجماع.

وأن التيمم لا يكون إلا في الوجه واليدين سواء كان عن حدث أصغر أو أكبر. وسواء تيمم عن الأعضاء كلها أو بعضها. {مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ}، فلهذا سهل عليكم إذا عدمتم الماء أو لو تقدروا على استعمـاله {وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ} مـن الأحداث والنجاسات {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} بتكفير الخطايا {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون} نعمه فيما شرع لكم من التوسعة والرحمة والتسهيل.

وجمعت الشريعة بين الماء والتراب في التطهير فما أحسنه من جمع وألطفه وألصقه بالعقول السليمة والفطر المستقيمة كما قال ابن القيم وقد عقد سبحانه الإخاء بينهما قدرًا وشرعًا. خلق منهما آدم وذريته وجعل منهما حياة كل حيوان وأخرج منهما الأقوات وكانا أعم الأشياء وجودًا وأسهلها تناولاً، وكان تعفير الوجه بالتراب من أحب الأشياء إلى الله تعالى.

وعن ابن عباس في قوله تعالى: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى} الآية.

قال إذا كان بالرجل الجراحة في سبيل الله أو القروح  فيخاف أن يموت إن اغتسل تيمم رواه البزار وصححه ابن خزيمة. والمراد مرض يضره معه استعمال الماء. أو كان على موضع الطهارة جراحة يخاف من استعمال الماء فيها التلف فإنه يصلي بالتيمم.

أو يخاف زيادة الوجع فإنه يمسح عليه إن أمكن. أو يعصب على الجرح ويمسح على العصابة. فإن خشي ضررًا تيمم للجرح.

والمرض على ثلاثة أضرب أحدها يسير لا يخاف من استعمال الماء معه تلفًا ولا مرضَا ولا بطء برء ولا زيادة ألم كصداع ووجع ضرس وحمى لا يضر معها وشبه ذلك فهذا لا يجوز له التيمم بلا نزاع. الثاني مرض يخاف مـعه من استعمال الماء تلف النفس أو عضو أو حدوث مرض يخاف منه تلف النفس أو عضو أو فوات منفعة عضو فهذا يجوز له التيمم إجماعًا. والثالث أن يخاف بطء البرء أو زيادة المرض أو حصول شيء أو بقاء أثر شين على عضو ظاهر جاز في قول جماهير العلماء سلفًا وخلفًا لظاهر الآية وعموم البلوى. واستنبط أكثر العلماء من الآية أنه لا يجوز التيمم لعادم الماء إلا بعد طلب الماء فمتى طلبه فلم يجده جاز له التيمم وإلا فلا. قال ابن القيم وألحقت الأمة واجد  ثمن الماء بواجده. ومن خاف على نفسه أو بهائمه من العطش إذا توضأ بالعادم.

(وعن جابر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال أعطيت خمسًا) أي خصه الله بخصائص خمس (لم يعطهن أحد) من الأنبياء (قبلي) ومعلوم أنه لا يعطاهن أحد بعده إذا الخاصة هي ما توجد في الشيء دون غيره (نصرت بالرعب) يعني الخوف (مسيرة شهر) أي بينه وبين العدو مسافة شهر. وللطبراني "نصرت بالرعب على عدوي مسيرة شهرين" وإنما جعل مسافة شهر أو شهرين لأنه لم يكن بينه  -صلى الله عليه وسلم-  وبين عدوه أكثر من هذه المسافة حتى أنه ليخافه ملك بني الأصفر.

(وجعلت لي الأرض مسجدًا) موضع سجود ولا يختص به موضع دون موضع سوى ما ورد فيه النهي كالمقبرة والحش.

    وهذه الخصلة لم تكن لغيره -صلى الله عليه وسلم-  كما في رواية "وكان من قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم" وفي أخرى "ولم يكن أحد من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه" (وطهورًا) بفتح الطاء أي مطهرًا وهذا الشاهد من الحديث جعلنا الله لنا طهورًا كما جعلها مسجدًا (فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) أي بالتيمم على أي حال إذا لم يجد الماء (متفق عليه) قال الشيخ وكل من امتنع عن الصلاة بالتيمم فإنه من جنس اليهود والنصارى. فإن التيمم لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم-  خاصة. وفي لفظ "فعنده مسجده وطهوره" وللترمذي وغيره وصححه "والصعيد الطيب طهور المسلم" وفيه دلالة على أن التيمم يرفع الحدث كالماء لاشتراكهما في الطهورية. قال الشيخ وهو الصحيح وعليه يدل الكتاب والسنة والاعتبار.

ومن قال إن التراب لا يطهر من الحدث فقد خالف الكتاب والسنة. وقال أحمد القياس أن تجعل التراب كالماء وفيه دلالة أيضًا على جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض. ولأحمد وغيره من حديث أبي أمامة "وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجدًا وطهورًا"، وكان -صلى الله عليه وسلم-وأصحابه يجتازون الرمال، ولم ينقل أنهم حملوا التراب ولا أمروا بحمله ولا فعله أحد من أصحابه مع القطع بأن الرمال في تلك المفاوز أكثر من التراب. وإنما كانوا إذا أدركتهم الصلاة تيمموا بالأرض التي صلوا عليها ترابًا أو غيره.

وتمام الحديث قال "وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي" وكان غنائم من قبله -صلى الله عليه وسلم-  تأكلها النار. "وأعطيت الشفاعة" ولا ينكرها إلا كافر "وكان النبي -صلى الله عليه وسلم-  يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" وقال تعالى : {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} وثبت غير هذه الخمس وعد النيسابوري وغيره أن الذي اختص به -صلى الله عليه وسلم-  من بين سائر الأنبياء أكثر من ستين خصلة وعدها بعض المتأخرين إلى ثلاثمائة. والتحقيق أنها لا تحصر فمفهوم العدد في هذا الحديث غير مراد.

(وعن أبي ذر) -رضي الله عنه- (مرفوعًا "الصعيد الطيب طهور المسلم) وللبزار وصححه ابن القطان "وضوء المسلم" (وإن لم يجد الماء عشر سنين) المراد بالعشر التقريب لا التحديد فمعناه أن يفعل مرة بعد أخرى وإن بلغ عدم الماء ما بلغ (فإذا وجد الماء فـ) ليتق الله و (ليمسه بشرته" رواه الخمسة وصححه الترمذي)  وصححه أيضًا ابن حبان والدارقطني وسببه أن أبا ذر اجتوى المدينة فأمر له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  بإبل فكان فيها. فأتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  فقال هلك أبو ذر . قال "ما حالك قلت كنت أتعرض للجنابة وليس قربي ماء. قال الصعيد طهور" الحديث.

وفيه دليل على وجوب إمساسه الماء بشرته عند إرادة الصلاة وذلك مع القدرة وسماه طهورًا ووضوءًا وهو حجة لمن قال حكمه حكم الماء يرفع الجنابة والحدث ويصلي به ما شاء.

وإذا وجد الماء وجب عليه أن يمسه بشرته للمستقبل من الصلاة لأن الله تعالى جعله قائمًا مقام الماء فلا يخرج عنه إلا بدليل.

وأجمعوا على أنه يجوز للجنب كما يجوز للمحدث لا فرق وإذا وجده الجنب وجب عليه الاغتسال لما استفاض من الأمر به.

ولم يصح عنه -صلى الله عليه وسلم-  التيمم لكل صلاة ولا أمر به بل أطلق التيمم وجعله قائمًا مقام الماء فاقتضى أن يكون حكمه حكمه إلا فيما اقتضاه الدليل. قال الشيخ يقوم مقام الماء مطلقًا ويبقى بعد الوقت كما تبقى طهارة الماء بعده. وهذا القول هو الصحيح وعليه يدل الكتاب والسنة. وقال في موضع آخر التيمم لوقت كل صلاة إلى أن يدخل وقت الأخرى أعدل الأقوال.

واستحسنه شيخنا وقال العمل عليه عند أهل العلم وهو أحوط وخروجًا من الخلاف ولا مشقة فيه.

(وعن جابر) رضي الله عنه (في الرجل الذي شج فاغتسل فمات) قال جابر خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم فقالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات. فلما قدمنا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  أخبر بذلك (فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) "قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال (إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها) أي على الجبيرة (ويغسل سائر جسده" رواه أبو داود) وفيه الزبير بن خريق تكلم فيه بعضهم وله طرق وشواهد يصلح معها للاحتجاج به.

فدل على جواز العدول إلى التيمم لخشية الضرر وهو مذهب الجماهير من أهل العلم. وتقدم خبر ابن عباس وقول شيخ الإسلام وغيره أنه إن خاف ضررًا مسح على الجرح مباشرة. فإن خاف ضررًا جعل جبيرة ثم مسح عليها. وإن لم يمكنه تيمم للجرح. قال شيخ الإسلام ومسح الجرح أولى من مسح الجبيرة وهو خير من التيمم.  وقال فيما إذا كان الجرح بين أعضاء الوضوء لا يلزمه مراعاة الترتيب. وهو الصحيح من مذهب أحمد وغيره. والفصل بالتيمم بين أعضاء الوضوء بدعة وهذا الخبر والله أعلم من باب المقدم والمؤخر.

(وعن عمرو بن العاص وكان تيمم في ليلة باردة وصلى بأصحابه) وذلك في غزوة ذات السلاسل قال فأشفقت أن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكر ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب فأخبرته بالذي منعني وقلت ذكرت قول الله -عز وجل- {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} علم منها أنه نهى عن إهلاك نفسه قال فتيممت ثم صليت.

جعل خشية مشقة الاستعمال كعدم عين الماء قال: (فضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  ولم يقل شيئًا).

فدل على جواز التيمم عند شدة البرد ونحوه. وقال ابن القيم وألحقت الأمة من خشي المرض من شدة برد الماء بالمريض في العدول عنه إلى البدل (رواه الخمسة) وغيرهم والبخاري تعليقًا ولم يعد مطلقًا. قال شيخ الإسلام وهذا هو الصحيح لأنه فعل ما قدر عليه فلا إعادة عليه. وهذا مذهب جماهير العلماء.

مالك. وأحمد. وأبي حنيفة. وابن المنذر. وغيرهم. لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} فإن أمكنه تسخينه والاغتسال في الوقت لزمه ذلك. فإن خاف الضرر باستعمال البعض غسل ما لا يتضرر به وتيمم للباقي ويكون قد فعل ما أمر به من غير تفريض ولا عدوان.

(وعن عمار بن ياسر) بن عامر بن مالك العنسي حليف بني مخزوم أسلم قديمًا وعذب بمكة على الإسلام وهاجر الهجرتين وشهد المشاهد وقتل بصفين وهو ابن ثلاث وسبعين (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) بعثه في حاجة قال فاجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة ثم أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم-  فذكرت له ذلك فقال "إنما كان يكفيه أن تقول) أي تفعل ولأبي داود وغيره أن تصنع (بيديك هكذا) ثم بينه بفعله (ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة) قال أحمد من قال ضربتين إنما هو شيء زاده (ثم مسح الشمال على اليمين وظهر كفيه ووجهه" متفق عليه)، وللبخاري "وضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه". وللترمذي وصححه "أمره بالتيمم للوجه والكفين" وصح أنه تيمم بالجدار وهو جائز عند السلف والخلف. وأصح حديث في صفة التيمم حديث عمار هذا. وحديث أبي جهيم وهو في الصحيح بلفظ "فمسح بوجهه وكفيه" وما سواهما ضعيف أو موقوف. وهذان الحديثان مفسران لمجمل الآية وهو مذهب فقهاء الحديث وجماهير العلماء. وفي حديث عمار التصريح بكفاية التيمم للجنب الفاقد للماء. ويقاس عليه الحائض والنفساء وهو قول عامة أهل العلم. إلا ما روي عن ابن عمر وابن مسعود.

(وعن أبي سعيد الخدري في الرجلين الذين تيمما وصليا) وذلك أنهما خرجا في سفر وليس معهما ماء فحضرت الصلاة فتيمما صعيدًا طيبًا فصليا (ثم وجدا الماء في الوقت) أي وقت الصلاة التي صلياها بالتيمم.

 (فأعاد أحدهما) الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر ثم أتيا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  فذكر ذلك له (فقال للذي لم يعد أصبت السنة) أي الطريقة الشرعية (وأجزأتك صلاتك) لأنها وقعت في وقتها والماء مفقود فالواجب إذًا التراب (وقال للآخر) الذي توضأ وأعاد الصلاة في الوقت (لك الأجر مرتين) أجر الصلاة بالتراب وأجر الصلاة بالماء (رواه أبو داود) ورواه ابن السكن والنسائي مسندًا ومرسلاً وله شاهد من حديث ابن عباس رواه إسحاق في مسنده أنه -صلى الله عليه وسلم-  "بال ثم تيمم فقيل له إن الماء قريب منك قال فلعي لا أبلغه" واستدل بهما من لا يرى الانتظار واستأنس من قال فلعلي لا أبلغه" واستدل بهما من
لا يرى الانتظار واستأنس من قال بالانتظار بقول علي في الجـنب يتلـوم ما بينه وبين آخر الوقت والمراد وقت الاختيار وحكي اتفاقًا وعللوه بأن الطهارة بالماء فريضة. والصلاة في أول الوقت فضيلة وانتظار الفريضة أولى.

وفي الحديث دلالة على عدم الإعادة لأشرفية إصابة السنة وعدم الأمر له بالإعادة ولصدورها منه صحيحة، وفي الصحيحين في قصة القلادة "فبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  رجالاً في طلبها فوجدوها فأدركتهم الصلاة، وليس معهم ماء فصلوا بغير وضوء" ولم يأمرهم بالإعادة. قال شيخ الإسلام، وهو مذهب جمهور السلف وعامة الفقهاء. وهو الصحيح من أقوالهم لأنه لا إعادة على أحد فعل ما أمر به بحسب استطاعته لحديث ابن عمر مرفوعًا (لا تصلوا صلاة في يوم مرتين) رواه أبو داود والنسائي. وإنما يعيد من ترك واجبًا يقدر عليه كنسيانه أو نومه.

 

 

من كتاب: الإحكام، شرح أصول الإحكام

تأليف: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 268 زوار و 1 عضو  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول