الاعتصام بالكتاب والسنة (2)

الاعتصام بالكتاب والسنة (2)

الاعتصام  أصل السعادة فى الدنيا والآخرة ونجاة من مضلات الفتن

خامساً: الهداية والصلاح والفلاح لمن اتبع القرآن والسنة وتمسك بذلك

قال الله تعالى: [قَدْ جَاءَكُم مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ]  ([41]).

وقال الله تعالى: [فَإِمَّا يَأتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى]  ([42]).

قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((تكفّل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه: أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ هذه الآية ))([43]).

وقال تعالى: [وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] ([44]).

وقال عز وجل: [الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْـحَمِيدِ] ([45]).

وقال تعالى: [هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ] ([46]).

وقال تعالى: [وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا ] ([47]).

وقال سبحانه وتعالى: [وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ] ([48] وقال تعالى: [وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْـمُصْلِحِينَ] ([49]).

وأما الأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أمر الله بطاعته في أربعين موضعاً([50])، كقوله تعالى: [قُلْ أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاّ الْبَلاغُ الْـمُبِينُ] ([51]).

وقال: [قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ] ([52]).

وقال سبحانه: [وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] ([53]).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: ((تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله [وسنة نبيه] ))([54]).

سادساً: القرآن والسنة أعظم وصايا النبي –صلى الله عليه وسلم- لأمته:

ففي حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما حينما سُئل: هل أوصى النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال بعد ذلك: ((أوصى بكتاب الله ))([55]).

وعندما كان في طريقه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أوصى بكتاب الله تعالى فقال: ((وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، [هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة]، فخذوا بكتاب الله وتمسّكوا به))، فحث عليه ورغب فيه، ثم قال: ((وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي)) ثلاث مرات، رواه مسلم([56]).

سابعاً: القرآن الكريم يأمر بالاجتماع على الحق وينهى عن الاختلاف:

قال الله تعالى: [وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] ([57])، فأمر بعد الاعتصام بالكتاب بعدم التفرق.

قال الإمام ابن كثير رحمه الله: ((أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرّق والأمر بالاجتماع والائتلاف))([58]).

كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال))([59]).

وقال الله عز وجل: [وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْـهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْـمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا] ([60]). والمعنى من سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم فصار في شق والشرع في شق عن عَمْدٍ منه بعدما ظهر له الحق، واتّبع غير سبيل المؤمنين فيما أجمعوا عليه، فإنا نجازيه على ذلك([61]).

ثامناً: الاعتصام بالقرآن والسنة نجاة من مضلات الفتن:

ومما يوضح ذلك، وصية النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب الله تعالى في عرفات، وفي غدير خم، وعند موته عليه الصلاة والسلام، وتقدمت الإشارة إلى ذلك.

وجاءت الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي تدل على أن من استمسك بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم كان من الناجين، ومن ذلك حديث العرباض بن سارية رضى الله عنه قال: ((صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: ((أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشيّاً، فإنه من يعشْ منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسّكوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل مُحدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة))([62]).

ومما يؤكد أهمية السمع والطاعة ما حصل للصحابة مع رسول الله عليه صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية حينما اشتدَّ عليهم الكرب بمنعهم من العمرة، وما رأوا من غضاضةٍ على المسلمين في الظاهر، ولكنهم امتثلوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان ذلك فتحاً قريباً، وخلاصة ذلك أن سُهَيل بن عمرو قال للنبي صلى الله عليه وسلم حينما كتب: بسم الله الرحمن الرحيم: اكتب باسمك اللهم، فوافق معه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولم يوافق سهيل على كَتْبِ محمد رسول الله، فتنازل النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أن يكتب محمد بن عبد الله، ومنع سهيل في الصلح أن تكون العمرة في هذا العام، وإنما في العام المقبل، وفي الصلح أن من أسلم من المشركين يردّه المسلمون، ومن جاء من المسلمين إلى المشركين لا يُردُّ، وأوّل من نُفّذ عليه الشرط أبو جندل بن سهيل بن عمرو، فردّه النبي صلى الله عليه وسلم بعد محاورة عظيمة، وحينئذٍ غضب الصحابة لذلك حتى قال عمر رضى الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: ألستَ نبيَّ الله حقّاً؟ قال: ((بلى ))، قال: ألسنا على الحق وعدوّنا على الباطل؟ قال: ((بلى ))، قال: فلمَ نُعطي الدَّنِيَّةَ في ديننا إذاً؟ قال: ((إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري))، قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً، فلما فرغ الكتاب أمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن ينحروا ويحلقوا فلم يفعلوا، فدخل على أم سلمة رضي الله عنها، فشكا ذلك، فقالت: انحر واحلق، فخرج فنحر، وحلق، فنحر الناس وحلقوا حتى كاد يقتل بعضهم بعضاً([63]).

فحصل بهذا الصلح من المصالح ما الله به عليم، ونزلت سورة الفتح، ودخل في السَّنة السادسة والسابعة في الإسلام مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر، ثم دخل الناس في دين الله أفواجاً بعد الفتح في السنة الثامنة.

وهذا ببركة طاعة الله ورسوله؛ ولهذا قال سهل بن حنيف: ((اتهموا رأيكم، رأيتني يوم أبي جندل لو أستطيع أن أردّ أمر النبي صلى الله عليه وسلم لرددته))([64]). وهذا يدلّ على مكانة الصحابة رضى الله عنه وتحكيمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحصل لهم من الفتح والنصر ما حصل، ولله الحمد والمنة.

والمسلم عليه أن يعتصم بالكتاب والسنة، وخاصة في أيام الفتن؛ ولهذا حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن، واستعاذ منها، وأمر بلزوم جماعة المسلمين، فقال صلى الله عليه وسلم: ((تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن))([65])، وعن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويُلقى الشحّ، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج))، قالوا: يا رسول الله، أيما هو؟ قال: ((القتل، القتل)). وفي لفظ: ((يتقارب الزمان، وينقص العلم...))([66]).

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده أشرّ منه، فعن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك رضى الله عنه فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج فقال: ((اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعد أشر منه حتى تلقوا ربكم ))، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم ([67]).

وحث صلى الله عليه وسلم على العمل الصالح قبل الانشغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة، فقال: ((بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا))([68]).

وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ستكون فتنٌ القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي،ومن تشرَّف لها تستشرفه،ومن وجد ملجأ أو معاذاً فليعذ به))([69]).

والمخرج من جميع الفتن المضلّة التمسّك بالكتاب والسنة، ولزوم جماعة المسلمين وإمامهم.

تاسعاً: مخالفة الكتاب والسنة أصل الخذلان وفساد الدنيا والآخرة والذلّ والهوان:

قال الله عز وجل: [وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَـهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا]  ([70]).

وقال سبحانه وتعالى: [فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا] ([71]).

وقال تعالى: [وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى] ([72]).

وقال تعالى فيمن خالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم: [فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] ([73]).

وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((... وَجُعِلَ الذلّ والصغار على من خالف أمري، ومن تشبّه بقوم فهو منهم ))([74]).

 وجاء في السنن والمسانيد ما أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا ألفينّ أحدكم متكئاً على أريكة([75]) يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: بيننا وبينكم هذا القرآن، فما وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرَّمناه، ألا وإني أُتِيتُ الكتاب ومثله معه، ألا وإنه مثل القرآن أو أعظم ))([76]).

وعن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((كلّ أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى )) قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: ((من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى ))([77]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: ((فعلى كل مؤمن أن لا يتكلَّم في شيء من الدين إلا تبعاً لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يتقدَّم بين يديه، بل ينظر ما قال فيكون قوله تبعاً لقوله، وعمله تبعاً لأمره، فهكذا كان الصحابة رضى الله عنه، ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين؛ فلهذا لم يكن أحد منهم يعارض النصوص بمعقوله، ولا يؤسِّس ديناً غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإذا أراد معرفة شيء من الدين نظر فيما قاله الله والرسول رضى الله عنه فمنه يتعلم، وبه يتكلم، وفيه ينظر، وبه يستدلّ، فهذا أصل أهل السنة ))([78]).

عاشراً: الاختلاف سبب الشرور والفرقة:

قال الله تعالى: [وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَـهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ]  ([79]).

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة ))، قيل: من هم يا رسول الله، قال: ((ما أنا عليه وأصحابي ))، وفي لفظ: ((الجماعة ))([80]) أي: هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي.

وعن حذيفة رضى الله عنه قال: ((كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كُنِّا في جاهِلِيَّةٍ وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرّ؟ قال: ((نعم )) .

قلت: هل بعد ذلك الشرّ من خير؟ قال: ((نعم وفيه دخن))، قلت: وما دخنه؟

قال: ((قوم يستنّون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر )).

فقلت: هل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: ((نعم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها )).

فقلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: ((نعم، قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا)).

قلت: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم )).

فقلت:فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟قال:((فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضّ على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ))([81]).

قال الإمام النووي – رحمه الله -: ((وفي حديث حذيفة هذا: لزوم جماعة المسلمين، وإمامهم، ووجوب طاعته، وإن فسق، وعمل المعاصي: من أخذ الأموال، وغير ذلك فتجب طاعته في غير معصية، وفيه معجزات لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي هذه الأمور التي أخبر بها، وقد وقعت كلها ))([82]).

وعن عبد الرحمن بن يزيدَ، قال: صلّى عُثمان بمنىً أربعاً، فقال عبدالله [ابن مسعود]: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صداً من إمارته ثم أتمَّها، ثم تفرَّقت بكم الطرق، فلوددت أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين )).

وفي رواية أن عبد الله صلَّى أربعاً! فقيل له : عِبْتَ على عثمان ثم صليت أربعاً ؟ ! قال : ((الخلاف شرٌ ))([83]).

ولا شكّ أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تزال فيهم طائفة على الحق منصورة، لا يضرّهم من خذلهم أو من خالفهم حتى تقوم الساعة؛لحديث معاوية رضى الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تزال طائفةٌ من أمتي قائمةً بأمر الله، لا يضرّهم من خذلهم، أو خالفهم حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس ))([84]).

والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين([85]).


من كتاب: الإعتصام بالكتاب والسنة، أصل السعادة فى الدنيا والآخرة

تأليف: د. سعيد بن على بن وهف القحطانى

 

([41])  سورة المائدة، الآيتان: 15- 16 .

([42])  سورة طه، الآية: 123 .

([43])  مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، 19/77 .

([44])  سورة الأنعام، الآية: 155 .

([45])  سورة إبراهيم، الآية: 1 .

([46])  سورة آل عمران، الآية: 138 .

([47])  سورة الإسراء، الآية: 82 .

([48])  سورة الشورى، الآية: 52 .

([49])  سورة الأعراف، الآية: 170 .

([50])  فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، 19/83 .

([51])  سورة النور، الآية: 54 .

([52])  سورة آل عمران، الآية: 31 .

([53])  سورة النساء، الآية: 13 .

([54])  مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، برقم 1218، وما بين المعقوفين للحاكم في المستدرك، 1/93، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، 1/21 .

([55])  متفق عليه: البخاري، كتاب الوصايا، باب الوصايا، برقم 2740، ومسلم، كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه، برقم 1634 .

([56])  مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل علي بن أبي طالب t، برقم 2408 .

([57])  سورة آل عمران، الآية: 103 .

([58])  تفسير ابن كثير، ص255 .

([59])  مسلم، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة السؤال من غير حاجة، والنهي عن منع وهات، برقم 1715 .

([60])  سورة النساء، الآية: 115 .

([61])  تفسير ابن كثير، ص361 .

([62])  أبو داود، كتاب السنة، باب في لزوم السنة، برقم 4607، والترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة، برقم 2676، وغيرهما، قوله: ((ذرفت)) أي: دمعت، وقوله: ((وجلت)) أي خافت وفزعت، وقوله: ((تعهد )) يقال: عهد إليه بكذا: إذا أوصى إليه، وقوله: ((وإن عبداً حبشياً)) أي: أطع صاحب الأمر، واسمع له وإن كان عبداً حبشياً، فحذف كان وهي مزادة. قوله: ((عضوا عليها بالنواجذ)) النواجذ: الأضراس التي بعد الناب، وهذا مثل في شدة الاستمساك بالأمر. قوله: ((محدثات الأمور)) أي: ما لم يكن معروفاً في كتاب ولا سنة، ولا إجماع. انظر: جامع الأصول لابن الأثير، 1/280 .

([63])  متفق عليه: البخاري،كتاب الشروط،باب الشروط في الجهاد،والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، برقم 2731، 2732، ومسلم، كتاب الجهاد، باب صلح الحديبية، برقم 1783.

([64])  متفق عليه: البخاري، كتاب الجزية والموادعة، باب: حدثنا عبدان، برقم 3181، ومسلم، كتاب الجهاد، باب صلح الحديبية، برقم 1785 .

([65])  مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة ومن النار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، برقم 2867 .

([66])  متفق عليه: البخاري، كتاب الفتن، باب ظهور الفتن، برقم 7061، ومسلم، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان، برقم 157 .

([67])  البخاري، كتاب الفتن، باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شرٌّ منه، برقم 7068 .

([68])  مسلم، كتاب الإيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن، برقم 313 .

([69])  متفق عليه: البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، برقم 3601، ومسلم، كتاب الفتن، باب نزول الفتن كموقع القطر، برقم 2886 .

([70])  سورة الأحزاب، الآية: 36 .

([71])  سورة النساء، الآية: 65 .

([72])  سورة طه، الآيات: 124-126 .

([73])  سورة النور، الآية: 63 .

([74])  مسند الإمام أحمد، 2/50، 92، وصحح إسناده العلامة أحمد بن محمد شاكر في شرحه وترتيبه للمسند، برقم 5114، 5115، 5667 من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

([75])  الأريكة: السرير في الحجلة، ولا يسمى منفرداً أريكة، وقيل: هو كل ما اتكئ عليه، وقوله: ((لا ألفين )) يقال: ألفيت الشيء إذا وجدته، وصادفته. جامع الأصول، لابن الأثير، 1/282 .

([76])  سنن أبي داود، كتاب السنة، باب لزوم السنة، برقم 4604، 4605، وابن ماجه، في المقدمة، باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتغليظ على من عارضه، برقم 12، وصححه الألباني من حديث أبي رافع، وأبي ثعلبة، وأبي هريرة رضى الله عنه في صحيح أبي داود، 3/318، وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، 19/85 .

([77])  البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، برقم 7280 .

([78])  مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، 13/63 .

([79])  سورة آل عمران، الآية: 105 .

([80])  الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، برقم 2641، وأبو داود، كتاب السنة، باب شرح السنة، برقم 4596، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب افتراق الأمم، برقم 3992، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، 2/364 .

([81])  متفق عليه: البخاري، كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، برقم 7084، ومسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، برقم 1847 .

([82])  شرح النووي على صحيح مسلم، 12/479، وانظر: فتح الباري، لابن حجر، 13/37 .

([83]) أخرجه أبو داود في كتاب الحج، باب الصلاة بمنى، برقم 1960، والبيهقي في السنن الكبرى،
3/ 143. وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، 1/ 550: ((صحيح ))، وقال في السلسلة الصحيحة، 1/ 223: ((وسنده صحيح ))، وأصل الحديث في صحيح البخاري، برقم 1084، ومسلم، برقم 695، وأما رواية: ((الخلاف شرّ )) فعند أبي داود كما تقدم.

([84])  متفق عليه: البخاري، كتاب المناقب، باب: حدثنا محمد بن المثنى، برقم 3641، ومسلم بلفظه، في كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ))، برقم 1037 .

([85])  انظر: جامع الأصول لابن الأثير، 1/277-293، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية،
91/5-8، و19/76-83، و36/60، وصحيح الترغيب والترهيب للألباني، 1/123-136، وفقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري، للمؤلف، 1/369، و2/1059-1062 .

 

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 255 زوار و 1 عضو  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول