إرشـاد حول الإحداد

إرشـاد حول الإحداد

 الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين . . أما بعد :

فهذه مسائل تتعلق بالمرأة التي توفي عنها زوجها ، ألخصها في سبع مسائل ، عسى الله أن يحيينا وأن يميتنا على الإسلام، وأن لا يفاجئنا بمكروه . وهي :

الأولى : الاعتبار بمفارقة رب الدار .

الثانية : الحزن والعدة .

الثالثة : الطيب والزينة للمرأة .

الرابعة : معنى الإحداد .

الخامسة : الأمور التي تتركها المرأة في الإحداد .

السادسة : أمور مرخص بها .

السابعة : سرد النصوص المتعلقة بالإحداد .

الأولى : الاعتبار بمفارقة ربِّ الدار

قال الله تعالى : ( كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور )

هكذا الموت يأتي بلا ميعاد ، فلا ندري من يكون صاحب القبر المجاور لهذا الذي دفناه ، والموت باب الآخرة .

وإذا كان الموت قد تخطانا إلى غيرنا فسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنأخذ حذرنا .

وما الدنيا بباقية لحيٍّ . . وما حيٌّ على الدنيا بباقي

وإذا فارقت المرأة زوجها وانحل هذا العقد فإن الله تعالى قد شرع الإحداد لتعظيم هذا العقد ، وإظهار خطره وشرفه ، وأنه عند اللَّه بمكان ، فجعل العدة حريماً له ، وجعل الإحداد مِن تمام هذا المقصود وتأكده ، ومزيدِ الاعتناء به ، حتى جُعلت الزوجة أولى بفعله على زوجها مِن أبيها وابنها وأخيها وسائرِ أقاربها ، وهذا مِن تعظيم هذا العقدِ وتشريفِه ، وتأكدِ الفرقِ بينه وبين السِّفاح من جميع أحكامه ، ولهذا شُرِعَ في ابتدائه إعلانُه، والإشهادُ عليه ، والضَّربُ بالدّف لتحقق المضادة بينَه وبينَ السِّفاح ، وشرع في آخره وانتهائه من العدة والإحداد ما لم يُشرع في غيره .

الثانية : الحزن والعِدَّة

الحزن حاجة وجدانية لدى كل إنسان سوي ، بل حتى الحيوانات تحزن ، بل وكل كائن حي ، جعلها الله تعالى لتقوى أواصر الألفة والود بين الخلق ، وليحصل التكاثر الطبيعي في الحياة .

دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ابنه إبراهيم ، وهو يجود بنفسه ، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان ، فقال له عبدالرحمن بن عوف : وأنت يا رسول الله ؟ فقال : ( يابن عوف إنها رحمة ) . ثم أتبعها بأخرى ، فقال: ( إن العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ) متفق عليه ، وكذلك حزن عليه الصلاة والسلام حزنا شديداً على زوجه خديجة رضي الله عنها وكذلك على عمه أبي طالب لما مات على الشرك ، فسمي ذلك العام عام الحزن .

وحين تعلم المرأة أن مدة الإحداد قد خففت وصارت أربعة أشهر وعشرا ، بعد أن كانت سنة كاملة ، لا تستكثر العدة وترك الاكتحال والزينة مدة الإحداد‏ ، فإنها مدة قليلة ، بالنسبة لمدتها قبل التخفيف .‏

وقد ذكر صلى الله عليه وسلم ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من الإحداد البليغ سنَةً ، ويصبِرن على ذلك ، أفلا تصبرن أربعة أشهر وعشراً ، قال الله تعالى : (‏ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج ) عن عكرمة عن ابن عباس قال :‏ ‏(نسخ ذلك بآية الميراث بما فرض اللّه لها من الربع والثمن ونسخ أجل الحول أن جعل أجلها أربعة أشهر وعشراً‏) .

وقد دلت النصوص على أنه لا يجوزُ الإحدادُ على مِّيتٍ فوقَ ثلاثة أيامِ كائناً من كان ، إلا الزوجَ وحدَه .

وإذا كان الإحدادُ على غير الزوج كالأب والأخ والابن جائز ورخصة بحيث لا يزيد على ثلاثة أيام ، فإنه على الزوج واجب وعزيمة مدة أربعة أشهر وعشراً ، أو وضع الحمل . وعن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم برئ من الصالقة ، والحالقة ، والشاقة . متفق عليه ، والصالقة التي ترفع صوتها . وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس منا من ضرب الخدود ، وشق الجيوب ، ودعا بدعوى الجاهلية ) متفق عليه .

وفي هذه الشريعة من الاعتدال ومراعاة ضعف الإنسان ما يصلح حاله ، لا سيما الزوجة حينما تفقد حليلها ورفيق دربها ، فلا تفريط ولا إفراط ، لا انتهاك الإحداد في العدة ، ولا شق الجيوب ولطم الخدود والنياحة على الميت ، كلا طرفَي قصد الأمور ذميمُ . قالت أعرابية ترثي زوجها :

كنا كغصنين في جرثومة سمقا . . حيناً بأحسنِ مايسمو به الشجرُ

حتى إذا قيلَ : قد طالت فروعُهُما . . وطال قنواهما واستنظر الثمرُ

أخنى على واحدي ريب الزمان وما . . يبقي الزمانُ على شيءٍ ولا يذرُ

كنا كأنجمِ ليلٍ بينها قمرٌ . . يجلو الدجى فهوى من دونها القمرُ

قصد أنها وزوجها كانا كغصنين طالا وتشبعا من أصل واحد ، وتقول : دمنا زمانا على أحسن مايدوم به الفرعان في أصلهما ، ولما بلغنا الكمال وطاب منشؤنا ، وكنا كفرعي الشجرة التي طاب ظلها ، وطال عذقها ، واستنظر ثمار أغصانها ، أحدث حدثان الدهر أحداثا فاجعة ، فأهلكت زوجي الواحد ، ولا عجب فإن هذه أحوال الدهر الذي لا يدوم على حال ، وقد كنا في الاجتماع مع الأهلين كالأنجم التي تبدو في الليل ، وهو بيننا كالقمر الذي يكشف الظلمة ، فسقط من وسطها ، وغاب عن أعيننا .

الثالثة : أحكام الطيب والزينة للمرأة

لقد أنكر اللَّهُ سبحانَه وتعالى على مَنْ حَرَّمَ زِيْنَتَهُ الَّتي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ . وهذا يدل على أنه لا يجوز أن يُحرِّمَ من الزينة إلا ما حرَّمه اللَّه ورسولُه ، واللَّه سبحانه قد حرَّم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم زينة الإحداد على المتوفَّى عنها مدة العدة ، وأباح الإحدادَ بتركها على غير الزوج ، فلا يجوز تحريمُ غير ما حرمه ، بل هو على أصلِ الإباحة .

وإذا كانت المرأة تتجمل لزوجها بزينة خاصة فإنها قد تتجمل لنسائها ومحارمها زينة عامة ، لكنها لا يجوز لها بحال أن تتزين للرجال الأجانب ، ولا أن تتطيب وتخرج للأماكن العامة والأسواق ، قال الله تعالى : ( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) وقال سبحانه : ( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) فلا يليق أن تتستر بعباءة هي في نفسها زينة تحتاج إلى عباءة أخرى تسترها. ويدخل فى الطيب : المسكُ ، والعنبرُ، والكافورُ ، والند ، والغالِية ، والزَّباد ، والذَّريرة ، والبخور ، والأدهان ، كدُهن البان ، والورد ، والبنفسج ، والياسمين ، والمياه المعتصرة من الأدهان الطيبة ، كماء الورد ، وماء القرنفل ، وماء زهر النارنج ، وسائر أنواع العطور الشرقية والغربية ، فهذا كُلُّه طِيب ، ولا يدخُلُ فيه الزيتُ ، ولا الشيرج ، ولا السمن ، ولا تُمتع من الادهان بشىء من ذلك .

الرابعة : معنى الإحداد

الإحداد : هو ترك الزينة ، والطيب ، ولبس الحلي ، ولبس الملون من الثياب ، والخضاب ، والكحل .

وهو مأخوذ من الحدّ ، وهو المنع ، لأنها تمنع من هذه الأشياء . وكما أنه يجب على المرأة المطلقة غير البائن أن تلزم بيت الزوجية حتى تنقضي عدتها ثلاثة قروء لقول الله تعالى : ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) ، فتتزيَّن المطلقة واحدة أو اثنتين ، وتتشوَّفُ لعله أن يُراجعها . فكان من أظهر الحكم المطلوبة في ذلك تحصيل الانسجام والتوافق بين المشاعر العاطفية والحالة الاجتماعية .

في المقابل أيضاً على المتوفى عنها زوجها أن تحد حتى تنقضي عدتها وهي أربعة أشهر وعشرة أيام ، لقوله تعالى : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً ) البقرة 234

إلا أن تكون حبلى فعدتها تنتهي بوضع الحمل، لقوله تعالى: ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) الطلاق4 ، وبانتهاء عدتها ينتهي كل ما يتعلق بها من أحكام الإحداد . فالإحداد تابع للعِدة بالشهور، أما الحامل ، فإذا انقضى حملُها ، سقط وجوْبُ الإحداد عنها اتفاقاً، فإن لها أن تتزوج، وتتجمَّل، وتتطيَّب لزوجها ، وتتزيَّن له ما شاءت . فإن قيل : فإذا زادت مدةُ الحمل على أربعة أشهر وعشر ، فهل يسقطُ وجوبُ الإحداد ، أم يستمِرُّ إلى الوضع ؟ قيل : بل يستمِرُ الإحداد إلى حين الوضع ، فإنه من توابع العدة ، ولهذا قُيِّد بمدتها ، وهو حُكم من أحكام العِدة ، وواجب من واجباتها ، فكان معها وجوداً وعدماً .

الخامسة : الأمور التي تتركها المرأة في الإحداد

للإحداد أحكام تجب مراعاتها ، نوجزها في خمسة أمور :

الأول : ترك الخروج من المنـزل ، فعليها لزوم بيتها الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه ، تقيم فيه حتى تنتهي العدة ، ولا تخرج من بيتها إلا لحاجة أو ضرورة ، والأمور التي يستطيع غيرها القيام بها مما لو قامت به استلزم ذلك خروجها من البيت فلا تقوم ، بل تكلف من يلبي طلباتها .

الثاني : ترك الزينة في الثياب ، فلا تلبس ثياباً تعد ثياب زينة .

الثالث : ترك الزينة في الحلي ، فلا تتجمل بالحلي بجميع أنواعه من الذهب والفضة، والماس واللؤلؤ وغيره، سواء كان ذلك قلادة ، أو خاتم ، أو إسوار أو غيرها حتى تنتهي العدة .

الرابع : ترك الطيب ، فلا تتطيب بأي نوع من أنواع الطيب ، سواء كان بخوراً أو دهناً أو ماء .

الخامس : ترك الزينة في الجسد ، فلا تتزين في وجهها ، أو عينها ، أو يدها ، أو رجلها ، بأي نوع من أنواع الزينة ، أو الكحل، أو الخضاب .

السادسة : أمور مرخص فيها

لا تمنع من التنظيف بتقليم الأظفار ، ونتفِ الإبط ، وحلق الشعر المندوب إلى حلقِه . ولا من الاغتسال بالصابون ، والسدر ، والشامبو ، والامتشاط به ، لأنه يراد للتنظيف لا للطيب . وإذا طهرت من الحيض فلها أن تستعمل الطيب في المحل الذي فيه الرائحة الكريهة . وإن اضطرت إلى الكحل بالإثمد تداوياً لا زينة ، فلها أن تكتحِلَ به ليلاً وتمسحه نهاراً . ولا حرج في كلامها مع الرجال مادام في حدود الأدب والاحتشام ، وإنما النهي عن الخضوع بالقول، قال تعالى: (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) الأحزاب 32 .

 وينبغي أن يعلم أن كلام المرأة للرجل يكون في حدود الحاجة على كل حال ، وليس لهذا الأمر علاقة بالعدة ، فما كان جائزاً قبل العدة فإنه يجوز كذلك أثناء فترة العدة . ولها أن تلبس من الثياب الكحلي والأسود والأخضر المشبع ، وكل مالا يقصد بصبغه حسنه ، فلا تمنع منه ، لأنه ليس بزينة . ولا تمنع من الثياب الحسنة غير المصبوغة ، وإن كان رقيقاً ، سواء كان من قطن أو كتّان أو حرير ، لأن حُسنَه طبيعي من أصل خلقتِه ، فلا يلزم تغييره .

كما أن المرأة إذا كانت حسنة الخِلقة ، لا يلزمُها أن تغير لونها ، وتشوِّه نفسها .

ولا حرج في خروجها لسطح المنـزل أو الملحق في الليل أوالنهار ، وما يتناقله بعض النسوة من وجوب تحجبها عن القمر لا صحة الله ، وكذلك تحجبها عن الغلمان الذين بلغوا السابعة حيث يؤمرون بالصلاة لا صحة له أيضاً ، فهي كغيرها في هذا . ولها أن تخرج في النهار إذا دعت الحاجة كمراجعة المستشفى للعلاج ، وشراء حاجتها من السوق كالطعام ونحو ذلك ، إذا لم يكن لديها من يقوم بذلك . ولا مانع من زواج أولاد الميت وأقاربه خلال العام الذي توفي فيه . وإذا حدثت مخالفة من المعتدة وفعلت ما ينبغي لها تجنبه فعليها الاستغفار والتوبة وعدم تكراره ، وليس له كفارة غير ذلك .

السابعة : النصوص المتعلقة بالإحداد

قال الله تعالى : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً ) سورة البقرة 234

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر ، أن تَحِدَّ على ميت فوق ثلاث ، إلا على زوج، أربعة أشهر وعشراً )

وهو في الصحيحين : عن حُميد بن نافع ، عن زينب بنت أبى سلمة ، أنها أخبرته هذه الأحاديثَ الثلاثة:

قالت زينبُ: ((دخلت على أمِّ حبيبة رضى اللَّه عنها زوج النبى صلى الله عليه وسلم حين تُوفى أبوها أبو سفيان ، فدعت أمُّ حبيبة رضى اللَّه عنها بطيبٍ فيه صُفرةٌ خَلُوقٌ أو غيرُه، فدهنت منه جاريةً، ثم مسَّت بعارضيها، ثم قالت:

واللَّه مالى بالطِّيبِ من حاجة، غير أنى سمعت رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: ((لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ باللَّهِ واليَوْم الآخرِ تُحِدُّ عَلى مَيِّتٍ فَوْقَ ثلاث إلاَّ عَلى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)) . والخلوق : طيب مخلوط .

       قالت زينب : ثم دخلت على زينب بنت جحش حين تُوفى أخوها ، فدعت بطيب ، فمسَّت منه ، ثم قالت:

واللَّهِ مالى بالطيبِ من حاجة، غير أنى سمعت رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر:

((لاَ يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ باللَّه وَاليَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ إلاَّ عَلى زَوْجٍ أرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)) .

قالت زينبُ: وسمعت أُمِّى أمَّ سلمة رضى اللَّه عنها تقولُ: جاءت امرأة إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول اللَّه : إن بنتى توفى عنها زوجها، وقد اشتكت عينُها ، أَفَتكْحَلُها ؟ فقال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: ( لا ) ، مرتين ، أو ثلاثاً ، كل ذلك يقول : ( لا ) ، ثم قال : ((إنَّما هيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ، وقَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ في الجَاهِلِيَّةِ تَرْمي بالبَعْرَةِ عَلى رَأْسِ الحَوْلِ)) .

فقالت زينب : كانتِ المرأة إذا تُوفى عنها زوجُها ، دخلت حِفْشاً ، ولَبِسَتْ شَرَّ ثِيابِها، ولم تَمَسَّ طِيباً ولا شيئاً حتى يَمُرَّ بها سنة ، ثُم تُؤتى بدابةٍ ؛ حمارٍ ، أو شاةٍ ، أو طير، فتفتَضُّ به ، فقلما تفتضُّ بشىء إلا مات، ثم تَخْرجُ، فُتعطى بعرة ، فترمى بها ، ثم تُراجع بعدُ ما شاءت مِن طيب أو غيره .

قال مالك تفتض: تمسح به جلدها . ورميها بالبعرة في رأس الحول فسره في الحديث‏ .‏ قال بعض العلماء‏:‏ معناه أنها رمت بالعدة وخرجت منها كانفصالها من هذه البعرة ورميها بها .

قال حميد‏:‏ قلت لزينب‏:‏ وما ترمي بالبعرة على رأس الحول ‏؟‏ فقالت زينب‏ :‏ كانت المرأة ، إذا توفي عنها زوجها ، دخلت حفشا ـ أي بيتا صغيراً حقيراً ـ ، ولبست شر ثيابها ، ولم تمس طيبا ولا شيئا ، حتى تمر بها سنة ‏.‏ ثم تؤتي بدابة ، حمار أو شاة أو طير، فتفتض به‏ .‏ فقلما تفتض بشيء إلا مات‏ .‏ ثم تخرج فتعطي بعرة فترمي بها ‏.‏ ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره‏.

قال ابن قتيبة‏ :‏ سألت الحجازيين عن معنى الافتضاض فذكروا أن المعتدة كانت لا تغتسل ولا تمس ماء ولا تقلم ظفرا ، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر ‏.‏ ثم تفتض ، أي تكسر ما هي فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها وتنبذه ‏.‏ فلا يكاد يعيش ما تفتض به‏ .‏

وقال ابن وهب‏:‏ معناه تمسح بيدها عليه أو على ظهره‏ .‏ وقيل معناه تمسح به ثم تفتض أي تغتسل‏ .‏ والافتضاض الاغتسال بالماء العذب للانقاء وإزالة الوسخ حتى تصير بيضاء نقية كالفضة‏.‏ وقال الأخفش‏ :‏ معناه تتنظف وتتنقى من الدرن، تشبيها لها بالفضة في نقائها وبياضها .

وفي الصحيحين عن أَمِّ عَطيَّة الأنصارية رضى اللَّه عَنها، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: ((لاَ تُحِدُّ المرْأَةُ عَلى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ إلاَّ عَلى زَوْجٍ أَرْبَعةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً، ولاَ تَلْبَسُ ثَوْباً مَصْبُوغاً إلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلاَ تَكْتَحِلُ وَلاَ تَمَسُّ طيباً إلا إذا طَهُرَت نُبْذةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ)). قوله : ( إلا ثوب عصب ) العصب بعين مفتوحة ثم صاد ساكنة مهملتين، وهو برود اليمن يعصب غزلها ثم يصبغ معصوبا ثم تنسج‏ . ومعنى الحديث النهي عن جميع الثياب المصبوغة للزينة، إلا ثوب العصب‏.‏ وقوله : ‏(‏نبذة من قسط أو أظفار‏)‏ النبذة القطعة والشيء اليسير‏.‏ وأما القسط، ويقال فيه كست، وهو والأظفار نوعان معروفان من البخور‏.‏ وليسا من مقصود الطيب‏.‏ رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة، تتبع به أثر الدم، لا للتطيب .

وفي الصحيحين عن أمِّ سلمة رضى اللَّه عنها: أن امرأة تُوفى عنها زوجُها، فخافوا على عينها، فأَتْوا النبى صلى الله عليه وسلم، فاستأذنوه فى الكُحْل، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ((قَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ تكُونُ فى شَرِّ بَيْتِها، أَوْ فى شَرِّ أحْلاَسِها فى بَيْتِها حَوْلاً، فإذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ ببَعْرَةٍ، فَخَرَجَتْ أفَلاَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)).

وعن فريعة بنت مالك قالت‏:‏ ‏(‏خرج زوجي في طلب علاج له فأدركهم في طرف القدوم فقتلوه فأتاني نعيه وأنا في دار شاسعة من دور أهلي فأتيت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له فقلت إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة من دور أهلي ولم يدع نفقة ولا مالاً لورثته وليس المسكن له فلو تحولت إلي أهلي وأخوتي لكان أرفق لي في بعض شأني قال‏:‏ تحولي فلما خرجت إلى المسجد أو إلى الحجرة دعاني أو أمر بي فدعيت فقال‏:‏ امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله قالت‏:‏ فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً قالت‏:‏ وأرسل إليَّ عثمان فأخبرته فأخذ به‏)‏‏.‏ رواه الخمسة وصححه الترمذي ولم يذكر النسائي وابن ماجه إرسال عثمان .

وعن أمِّ سلمة زوج النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المُتَوَفىَّ عَنْها زَوْجها لاَ تَلْبَسُ المُعَصْفَرَ مِنَ الثياب وَلاَ المُمَشَّقَةَ، وَلاَ الحُلىَّ وَلاَ تكْتَحِلُ، وَلاَ تَخْتَضِبُ)) رواه النسائي وأبو داود .

وروت أم سلمة قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة ، وقد جعلتُ على عيني صبِراً ، فقال: ( ماذا يا أمَّ سلمة ؟ ) . قلت : إنما هو صبِر ، ليس فيه طيب . قال : ( إنه يشِبُّ الوجهَ ، لا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار ، ولا تمتشطي بالطيب ، ولا بالحناء فإنه خِضاب ) . قال : قلت : بأي شيءٍ أمتَشِط ؟ قال : ( بالسِّدرِ تُغَلِّفينَ بهِ رأسكِ) رواه النسائي وأبو داود .

وعن جابر قال‏:‏ ‏(‏طلقت خالتي ثلاثاً فخرجت تجد نخلاً لها فلقيها رجل فنهاها فأتت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له فقال‏:‏ اخرجي فجدي نخلك لعلك أن تصدقي منه أو تفعلي خيراً‏ ) . رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه والنسائي‏ .

 

تأليف: عبداللطيف بن صالح العامر

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 164 زوار و 5 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول