معرفة الله(*) الخالق العظيم

معرفة الله(*) الخالق العظيم

(*)["الله" اسم خاص بإله الكون والناس، وكل شيء، وهذا الاسم علم عليه سمى به نفسه المقدسة ومعناه: "الإله الحق"]

اعلم أيها – الإنسان العاقل- أن ربك الذي خلقك من العدم ورباك بالنعم هو (الله) رب العالمين. والعقلاء المؤمنون بالله – تعالى – [تعالى: كلمة تعظيم وثناء على الله، ووصف له بالعلو والتنزه، وكلمة سبحانه: أي تقدس الله وتنزه] لم يروه بأعينهم، ولكنهم رأوا البراهين الدالة على وجوده، وعلى أنه الخالق المدبر لجميع الكائنات فعرفوه بها. ومن هذه البراهين:

البرهان الأول:

الكون والإنسان والحياة: فهي أشياء حادثة لها بداية ونهاية، ومحتاجة إلى غيرها. والحادث والمحتاج إلى غيره لابد أنه مخلوق، والمخلوق لابد له من خالق، وهذا الخالق العظيم هو (الله)؛ والله هو الذي أخبر عن نفسه المقدسة، بأنه الخالق المدبر لجميع الكائنات، وهذا الإخبار جاء من الله – تعالى – في كتبه، التي أنزلها على رسله.

وقد بلّغ رسل الله كلامه للناس، ودعوهم إلى الإيمان به، وعبادته وحده، قال الله – تعالى – في كتابه القرآن العظيم: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [سورة الأعراف، الآية: 54].

المعنى الإجمالي للآية الكريمة: يخبر الله – تعالى – الناس جميعًا أنه ربهم، الذي خلقهم، وخلق السماوات والأرض في ستة أيام [هذا التدرج في الخلق لحكمة أرادها الله – سبحانه – وإلا فهو قادر على خلق الخلق كلهم في أسرع من لمح البصر، لأنه أخبر أنه إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون]. ويخبر أنه مستوٍ [استوى على الشيء في لغة العرب التي هي لغة القرآن معناه: عَلَى عليه وارتفع، واستواء الله على عرشه هو علوّه عليه علوًّا يليق بجلاله لا يعلم كيفيته إلا هو. وليس معنى: استوى: استولى على الملك كما يزعمه الضلاّل الذين ينكرون حقيقة صفات الله التي وصف بها نفسه، ووصفه بها رسله، زاعمين أنهم إذا أثبتوا صفات الله على حقيقتها، شبهوا الله بخلقه، وهذا زعم فاسد؛ لأن التشبيه هو أن يقال فيها: هي شبه كذا أو مثل كذا من صفات المخلوق، أما إثباتها على الوجه اللائق بالله بدون تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل ولا تأويل، فهو طريقة الرسل التي سار عليها السلف الصالح، وهي الحق الذي يجب على المؤمن أن يتمسك به وإن تركه أكثر الناس] على عرشه. والعرش فوق السماوات، وهو أعلى المخلوقات وأوسعها. والله فوق هذا العرش، وهو من جميع المخلوقات بعلمه وسمعه ورؤيته، لا يخفى عليه شيء من أمرهم، ويخبر الله – جل شأنه – أنه جعل الليل يُغطِّي النهار بظلامه، ويتبعه مسرعًا، ويخبر أنه خلق الشمس والقمر والنجوم، وجعلها جميعًا مُذلّلة تسير في أفلاكها بأمره، ويخبر أن له وحده الخلق والأمر، وأنه العظيم الكامل في ذاته وصفاته، الذي يُعطي الخير الكثير الدائم، وأنه رب العالمين، الذي خلقهم، وربَّاهم بالنعم.

قال الله – تعالى -: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [سورة فصلت، الآية: 37].

المعنى الإجمالي للآية الكريمة: يخبر الله – تعالى -: أن من آياته الدالة عليه: الليل والنهار والشمس والقمر، وينهى عن السجود للشمس والقمر؛ لأنهما مخلوقان كغيرهما من المخلوقات، والمخلوق لا يصح أن يُعبد، والسجود: نوع من العبادة، ويأمر الله الناس في هذه الآية – كما يأمرهم في غيرها – أن يسجدوا له وحده؛ لأنه هو الخالق المدبر المستحق للعبادة:

* البرهان الثاني:

أنه خلق الذكر والأنثى: فوجود الإناث والذكور دليل على الله.

* البرهان الثالث:

اختلاف الألسن والألوان: فلا يوجد اثنان صوتهما واحد، أو لونهما واحد، بل لابد من فرق بينهما.

* البرهان الرابع:

اختلاف الحظوظ: فهذا غني، وهذا فقير، وهذا رئيس، وهذا مرؤوس، في حين أنّ كلاًّ منهم صاحب عقل، وفكر وعلم، وحرص على ما لم يتحصل عليه من الغنى والشرف والزوجة الحسناء، ولكن لا يقدر أحد أن ينال سوى الذي قدَّره الله له؛ وذلك لحكمة عظيمة، أرادها الله – سبحانه – وهي: اختبار الناس بعضهم ببعض، وخدمة بعضهم البعض الآخر، حتى لا تضيع مصالحهم جميعًا.

والذي لم يقدّر الله له حظًّا في الدنيا، أخبر الله – تعالى – أنه يدخر له حظه زيادة في نعيمه في الجنة إذا مات على الإيمان بالله، مع أن الله منح الفقير مزايا يتمتع بها نفسيًّا وصحّيًّا في الغالب لا توجد عند كثير من الأغنياء، وهذا من حكمة الله وعدله.

* البرهان الخامس:

النوم، والرؤيا الصادقة التي يُطْلع الله – سبحانه – فيها النائم على شيء من الغيب بشارةً أو إنذارًا.

* البرهان السادس:

الروح: التي لا يعرف حقيقتها إلا الله وحده.

* البرهان السابع:

الإنسان: وما في جسمه من الحواس، والجهاز العصبي، والمخ، والجهاز الهضمي، وغير ذلك.

* البرهان الثامن:

يُنزِّل الله المطر على الأرض الميتة فتنبت النبات والأشجار المختلفة في أشكالها وألوانها، ومنافعها وطعمها، وهذا قليل من مئات البراهين التي ذكرها الله – تعالى – في القرآن، والتي أخبر أنها أدلة قائمة تدل على وجوده – سبحانه – وعلى أنه الخالق المدبر لجميع الكائنات.

* البرهان التاسع:

الفطرة التي فطر الله الناس عليها، تؤمن بوجود الله خالقها ومدبرها، ومن أنكر ذلك فإنما يُغالط نفسه ويُشقيها، فالشيوعي – مثلاً – يعيش في هذه الحياة تعسًا، مصيره بعد الموت إلى النار، جزاء تكذيبه بربه الذي خلقه من العدم، وربّاه بالنعم إلا إن تاب إلى الله وآمن به وبدينه ورسوله.

* البرهان العاشر:

البركة وهي التكاثر في بعض المخلوقات كالغنم وعكس البركة الفشل كما في الكلاب والقطط.

ومن صفات الله – تعالى – أنه: الأول بلا بداية، وحيٌّ دائم، لا يموت ولا ينتهي، وغني قائم بذاته، لا يحتاج إلى غيره، وواحد لا شريك له. قال الله – تعالى -: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [سورة الإخلاص، الآيات: 1-4].

معنى الآيات:

لما سأل الكفارُ خاتم المرسلين عن صفة الله؛ أنزل الله عليه هذه السورة، وأمره فيها أن يقول لهم:

الله واحد لا شريك له، الله هو الحي الدائم المدبر، له وحده السيادة المطلقة على الكون والناس وكل شيء، وإليه وحده يجب أن يرجع الناس في قضاء حاجاتهم.

لم يلد ولم يولد، ولا يصح أن يكون له ابن أو بنت أو أب أو أم، بل نفى عن نفسه ذلك كله أشد النفي، في هذه السورة وفي غيرها؛ لأن التسلسل والولادة من صفات المخلوق، وقد ردّ الله على النصارى قولهم: المسيح ابن الله. وعلى اليهود قولهم: عُزَيْرٌ ابن الله. وعلى غيرهم قولهم: الملائكة بنات الله، وشنَّع عليهم هذا القول الباطل.

وأخبر أنه خلق المسيح عيسى، عليه السلام، من أم بلا أب بقدرته، مثلما خلق آدم أبا البشر من تراب، ومثلما خلق حواء أم البشر من ضلع آدم، فرآها إلى جنبه، ثم خلق ذرية آدم من ماء الرجل والمرأة، فقد خلق كل شيء في البداية من العدم؛ وجعل بعد ذلك لمخلوقاته سنة ونظامًا لا يستطيع أحد أن يغيرهما سواه، وإذا أراد أن يغير من هذا النظام شيئًا غيّره كما يشاء. كما أوجد عيسى، عليه الصلاة والسلام، من أم بلا أب وكما جعله يتكلَّم وهو في المهد، وكما جعل عصا موسى، عليه الصلاة والسلام، حية تسعى، ولما ضرب بها البحر انشق فصار سوقًا عبر منه هو وقومه، وكما شق القمر لخاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، وجعل الشجر يسلم عليه إذا مرّ به، وجعل الحيوان يشهد له بالرسالة بصوت يسمعه الناس، فيقول: أشهد أنك رسول الله، وأُسري به على البراق من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به على السماء ومعه الملك جبرائيل حتى وصل فوق السماء، فكلمه الله سبحانه وتعالى، وفرض عليه الصلاة، وعاد إلى المسجد الحرام في الأرض، ورأى في طريقه أهل كل سماء، وذلك كله في ليلة واحدة قبل طلوع الفجر، وقصة الإسراء والمعراج مشهورة في القرآن وأحاديث الرسول، وكتب التاريخ.

ومن صفات الله تعالى: السمع والبصر، والعلم والقدرة، والإرادة، يسمع ويرى كل شيء، لا يحجب سمعه ورؤيته حجاب.

ويعلم ما في الأرحام، وما تُخفيه الصدور، وما كان وما سيكون. وهو القدير الذي إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون.

ومن صفاته التي وصف بها نفسه المقدسة:

الكلام بما يشاء متى شاء: وقد كلّم موسى عليه الصلاة والسلام، وكلّم خاتم الرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم، والقرآن كلام الله حروفه ومعانيه أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فهو صفة من صفاته، وليس مخلوقًا كما يقول المعتزلة الضالون.

ومن صفات الله – تعالى – التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسله: الوجه واليدان، والاستواء والنزول [لحديث ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا... إلخ]، والرضى والغضب. فهو يرضى عن عباده المؤمنين، ويغضب على الكافرين، وعلى مرتكبي موجبات غضبه. ورضاه وغضبه كباقي صفاته، لا تشبه صفات المخلوق ولا تُأوَّل ولا تُكيَّف.

وثبت في القرآن والسنة أن المؤمنين يرون الله – تعالى – عيانًا بأبصارهم في عرصات القيامة وفي الجنة، وصفات الله – تعالى – مفصّلة في القرآن العظيم، وأحاديث الرسول الكريم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فلتراجع.

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 169 زوار و 11 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول