دعوة المشركين والوثنيين إلى كلمة التوحيد

دعوة المشركين والوثنيين إلى كلمة التوحيد

الوثني: من يتدين بعبادة الوثن([1])، يقال: رجل وَثَنِيٌّ، وقوم وثنيُّون، وامرأة وثنيّة، ونساء وثنيّات([2])، واسم الوثن يتناول كل معبود من دون الله. سواء كان ذلك المعبود قبراً، أو مشهداً، أو صورة، أو غير ذلك([3]).

وكل من دعا نبيّاً، أو وليّاً، أو ملكاً، أو جنّيّاً، أو صرف له شيئاً من العبادة فقد اتخذه إلهاً من دون الله([4])، وهذا هو حقيقة الشّرك الأكبر الذي قال الله تعالى فيه: [إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا] ([5]).

والمشركون يُدعَون إلى الله تعالى بالحكمة القولية على حسب عقولهم وأفهامهم، ويوضح ذلك ويبينه المباحث الآتية:

المبحث الأول: الحجج العقلية القطعية على إثبات ألوهية الله تعالى

من البراهين القطعية التي ينبغي تبيينها وتوضيحها لمن اتّخذ من دون الله آلهة أخرى، قوله تعالى: [أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ الله لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ الله رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ] ([6]).

فقد أنكر سبحانه على من اتخذ من دونه آلهة من الأرض، سواء كانت أحجاراً، أو خشباً، أو غير ذلك من الأوثان التي تعبد من دون الله! فهل هم يحيون الأموات ويبعثونهم؟ والجواب: كلا، لا يقدرون على شيء من ذلك، ولو كان في السموات والأرض آلهة تستحق العبادة غير الله لفسدتا وفسد ما فيهما من المخلوقات؛ لأن تعدد الآلهة يقتضي التمانع والتنازع والاختلاف، فيحدث بسببه الهلاك، فلو فُرِضَ وجود إلهين، وأراد أحدهما أن يخلق شيئاً والآخر لا يريد ذلك، أو أراد أن يُعطي والآخر أراد أن يمنع، أو أراد أحدهما تحريك جسم والآخر يريد تسكينه، فحينئذ يختل نظام العالم، وتفسد الحياة! وذلك:

* لأنه يستحيل وجود مرادهما معاً،وهو من أبطل الباطل؛ فإنه لو وجد مرادهما جميعاً للزم اجتماع الضدين،وأن يكون الشيء الواحد حيّاً ميتاً،متحركاً ساكناً.

* وإذا لم يحصل مراد واحد منهما لزم عجز كل منهما، وذلك يناقض الربوبية.

* وإن وُجِدَ مراد أحدهما ونفذ دون مراد الآخر، كان النافذ مراده هو الإله القادر والآخر عاجز ضعيف مخذول.

* واتفاقهما على مراد واحد في جميع الأمور غير ممكن.

وحينئذ يتعين أن القاهر الغالب على أمره هو الذي يوجد مراده وحده غير ممُانع،ولا مُدافع،ولا مُنازع،ولا مُخالف،ولا شريك،وهو الله الخالق الإله الواحد،لا إله إلا هو،ولا رب سواه؛ولهذا ذكر سبحانه دليل التمانع في قوله عز وجل: [مَا اتَّخَذَ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ] ([7]).

وإتقان العالم العلوي والسفلي،وانتظامه منذ خلقه،واتساقه،وارتباطه بعضه ببعض في غاية الدقة والكمال: [مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ]  ([8]). وكل ذلك مسخر، ومدبر بالحكمة لمصالح الخلق كلهم يدل على أن مدبره واحد، وربه واحد، وإلهه واحد، لا معبود بحقٍّ غيره، ولا خالق سواه([9]).

المبحث الثاني:ضعف جميع المعبودات من دون الله من كل الوجوه

من المعلوم عند جميع العقلاء: أن كل ما عُبِدَ من دون الله من الآلهة ضعيف من كل الوجوه، وعاجز ومخذول، وهذه الآلهة لا تملك لنفسها ولا لغيرها شيئاً من ضر أو نفع، أو حياة أو موت، أو إعطاء أو منع، أو خفض أو رفع، أو عزّ أو ذلّ، وأنها لا تتصف بأي صفة من الصفات التي يتصف بها الإله الحق، فكيف يعبد من هذه حاله؟ وكيف يُرجى أو يُخاف من هذه صفاته؟ وكيف يُسأل من لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئاً([10]).

وقد بيّن الله عز وجل ضعف وعجز كل ما عبد من دونه أكمل بيان، فقال سبحانه: [قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَالله هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ] ([11])، [أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لـَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ * وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ * إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ *أَلـَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لـَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لـَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لـَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ *إِنَّ وَلِيِّـيَ الله الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالـِحِينَ * وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ*وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الـْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ] ([12])، [وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا ] ([13]).

وهي مع هذه الصفات لا تملك كشف الضر عن عابديها ولا تحويله إلى غيرهم [قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً ] ([14]).

ومن المعلوم يقيناً أن ما يعبده المشركون من دون الله من: الأنبياء، أو الصالحين، أو الملائكة، أو الجن الذين أسلموا، أنهم في شغل شاغل عنهم باهتمامهم بالافتقار إلى الله بالعمل الصالح، والتنافس في القُرْبِ من ربهم يرجون رحمته ويخافون عذابه، فكيف يُعبَدُ من هذا حاله([15])؟ قال تعالى: [أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ] ([16]).

وقد أوضح وبيَّن سبحانه: أن ما عُبِدَ من دونه قد توافرت فيهم جميع أسباب العجز وعدم إجابة الدعاء من كل وجه؛ فإنهم لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض لا على وجه الاستقلال، ولا على وجه الاشتراك، وليس لله من هذه المعبودات من ظهير يساعده على ملكه وتدبيره، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له([17])، قال عز وجل: [قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ] ([18])، وقال سبحانه وتعالى: [ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الـْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ] ([19]).

من كتاب: العروة الوثقى

تأليف: د. سعيد بن على بن وهف القحطانى


([1]) الوثن: الصنم، والجمع وُثُنٌ وأوثان: وهو التمثال يُعبد، سواء كان من خشب، أو حجر، أو نحاس، أو فضة، أو غير ذلك. وقد كان الوثنيون يزعمون أن عبادته تقربهم إلى الله تعالى، كما بيّن سبحانه ذلك عنهم بقوله: ] مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى [ [الزمر: 3]. انظر: القاموس المحيط، باب النون، فصل الواو، ص1597، وباب الميم، فصل الصاد، ص1460، والمعجم الوسيط، مادة (وثن)، 2/1012، ومادة (صنم)، 1/526، والمصباح المنير، مادة (وثن)، ص647، 648، ومادة (صنم)، ص349، ومختار الصحاح، مادة (وثن)، ص295، ومادة (صنم)، ص156 .

([2]) انظر: المعجم الوسيط، مادة (وثن)، 2/1012، والمصباح المنير، مادة (وثن)، ص648.قال ابن الأثير:الفرق بين الوثن والصنم: أن الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض،أو من خشب،أو من حجارة كصورة الآدمي تعمل وتنصب فتعبد. والصنم: الصورة بلا جثة، ومنهم من لم يفرق بينهما، وأطلقهما على المعنيين. انظر: النهاية في غريب الحديث، 5/151، 4/56. ثم قال: وقد يطلق الوثن على غير الصورة، ومنه حديث عدي بن حاتم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي: ((يا عدي اطرح عنك هذا الوثن)). أخرجه الترمذي في كتاب التفسير،باب سورة التوبة،5/278،برقم 3095،وانظر:صحيح الترمذي للألباني، 3/56.

([3]) انظر: فتح المجيد، شرح كتاب التوحيد، للشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهّاب، ص244 .

([4]) انظر: فتح المجيد، شرح كتاب التوحيد، ص242 .

([5]) سورة النساء، الآية: 48 .

([6]) سورة الأنبياء، الآيات: 21-23 .

([7]) سورة المؤمنون، الآيتان: 91- 92 .

([8]) سورة الملك، الآية: 3 .

([9]) انظر:درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، 9/352، 354، 337-382، 1/35-37، وتفسير البغوي، 3/241، 316، وابن كثير، 3/255، 176، وفتح القدير للشوكاني، 3/402، 496، وتفسير عبد الرحمن السعدي، 5/220، 374، وأيسر التفاسير لأبي بكر جابر الجزائري، 3/99، ومناهج الجدل في القرآن الكريم للدكتور زاهر بن عواض الألمعي، ص158-161 .

([10]) انظر: تفسير ابن كثير، 2/83، 219، 277، 417، 3/47، 211، 310، وتفسير السعدي،
2/327، 420، 3/290، 451، 5/279، 457، 6/153، وأضواء البيان للشنقيطي،
2/482، 3/101، 322، 598، 5/ 44، 6/268 .

([11]) سورة المائدة، الآية: 76 .

([12]) سورة الأعراف، الآيات: 191-198 .

([13]) سورة الفرقان، الآية: 3 .

([14]) سورة الإسراء، الآية: 56 .

([15]) انظر: تفسير ابن كثير، 3/48، وتفسير السعدي، 4/291 .

([16]) سورة الإسراء، الآية: 57 .

([17]) انظر: تفسير ابن كثير، 3/37، وتفسير السعدي، 6/274 .

([18]) سورة سبأ، الآيتان: 22- 23 .

([19]) سورة فاطر، الآيتان: 13- 14 .

 

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 176 زوار و 5 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول