لا تشَكُّكَ في وجود الله تبارك وتعالى

لا تشَكُّكَ في وجود الله تبارك وتعالى

الحمد لله الذي يسر على الإنسان علم ما هو محتاج إليه في معاشه ومعاده أتم تيسير، وأهَّلَ من شاء لمعرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وأسرار دينه وشرعه، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا يستحق العبادة إلا هو؛ لإحسانه إلى عباده، ولجلاله وجماله وكماله.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بعثه وإخوانه المرسلين، مذكرين بهذا الحق ومعذرين ومنذرين. اللهم صلِ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: فيا عباد الله: تأملوا حِكمَ اللَّطيف الخبير أن يسر على الإنسان طرق ما هو محتاج إليه من العلم، وكلما كانت حاجته إليه من العلم أعظم كان تيسيره إياه عليه أتم فأعطاه معرفة خالقه وباريه ومبدعه سبحانه والإقرار به؛ ولهذا قالت الرسل لأممهم: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} [إبراهيم: 10] فخاطبوهم مخاطبة من لا ينبغي أن يخطر له شك مَّا في وجود الله سبحانه، وإنما يكون الشك فيما تخفى
أدلته وتشكل براهينه، فأما من له في كل شيء محسوس أو
معقول
آية بل آيات مؤدية عنه شاهدة بأنه الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين فكيف يكون فيه شك؟!

فالرسل عليهم الصلاة والسلام إنما دعوا أممهم إلى عبادته وحده، لا إلى الإقرار به؛ فوجوده سبحانه وربوبيته وقدرته أظهر من كل شيء فهو أظهر للبصائر من الشمس للأبصار، وأبين للعقول من كل ما تعقله وتقر بوجوده، فما ينكره إلا مكابر بلسانه من كل جحود كفور، وقلبه وعقله وفطرته كلها تكذبه. فقد نصب سبحانه من الأدلة على وجوده ووحدانيته وصفات كماله الأدلة على اختلاف أنواعها ما لا يطيق حصرها إلا الله، ثم ركز ذلك في الفطرة، ووضعه في العقل جملة، فإذا قال الداعي: يا الله! قام بقلبه ربا، قيومًا بنفسه، مستويًا على عرشه، مكلمًا، متكلمًا، سامعًا، رائيًا، قديرًا، مريدًا، فعالًا لما يشاء، يسمع دعاء الداعين، ويقضي حوائج السائلين، ويفرج عن المكروبين، ترضيه الطاعات، وتغضبه المعاصي، تعرج الملائكة بالأمر إليه، وتنزل بالأمر من عنده، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ}  [الروم: 30، 31] هذه هي الفطرة.

واسمعوا عباد الله إلى دلالة العقل، قال تعالى منكرًا على المشركين معه غيره في العبادة: { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطُّور: 35] { أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ } [الطُّور: 36]، يقول تعالى: هؤلاء مخلقون بعد أن لم يكونوا، فهل خلقوا من غير خالق خلقهم؟ فهذا من المحال الممتنع عند كل من له فهم وعقل أن يكون مصنوع من غير صانع، ومخلوق من غير خالق.

ولو مر رجل بأرض قفر لا بناء فيها ثم مر بها فرأى فيها بنيانًا وقصورًا وعمارات محكمة لم يخالجه شك ولا ريب أن صانعًا صنعها وبانيًا بناها. ثم قال: { أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ } [الطُّور: 35] وهذا أيضًا من المستحيل أن يكون العبد موجدًا خالقًا لنفسه، فإن من لا يقدر أن يزيد في حياته بعد وجوده وتعاطيه أسباب الحياة ساعة واحدة، ولا أصبعًا واحدًا، ولا ظفرًا، ولا شعرة، كيف يكون خالقًا لنفسه في حال عدمه؟ وإذا بطل القسمان تعين أن لهم خالقًا خلقهم وفاطرًا فطرهم. ثم قال: { أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ } [الطُّور: 36] وبين بهذا القسم الثالث أنهم بعد أن وجدوا وخلقوا فهم عاجزون غير خالقين، وأن الواحد القهار الذي لا إله غيره ولا رب سواه هو الذي خلقهم وخلق السموات والأرض، فهو المتفرد بخلق المسكن والساكن، بخلق العالم العلوي والسفلي وما فيه، فهو الإله الحق الذي يستحق عليهم العبادة والشكر، فكيف يشركون به إلهًا غيره وهو وحده الخالق لهم؟ { بَل لَا يُوقِنُونَ } [الطُّور: 36] فعدم إيقانهم هو الذي يحملهم على الشرك به في العبادة.

وهذا إبراهيم عليه السلام استدل «بأفعال الرب» حين حاجه النمرود، الكافر الجحود، إذ قال لإبراهيم: أرأيت إلهك هذا الذي تعبد وتدعو إلى عبادته وتذكر من قدرته التي تعظمه بها على غيره ما هو؟ قال إبراهيم: { رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ } [البقرة: 258] قال نمرود: { أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ } [البقرة: 258] فقال له إبراهيم: كيف تحيي وتميت؟ قال: آخذ الرجلين قد استوجبا القتل في حكمي فأقتل أحدهما فأكون قد أمته، وأعفو عن الآخر فأتركه فأكون قد أحييته،
أوهم الحاضرين أنه يفعل مثل ما يفعله الله فيكون ربًا.

فقال له إبراهيم: { فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} [البقرة: 258] فإن كنت صادقًا فافعل مثل فعله في طلوع الشمس فإذا أطلعها من جهة فأطلعها أنت من جهة أخرى. استدل إبراهيم عليه السلام بأفعال الرب المشهودة المحسوسة التي تستلزم وجوده وكمال قدرته ومشيئته وعلمه ووحدانيته من الإحياء والإماتة المشهودين اللذين لا يقدر عليهما إلا الله وحده، وإتيانه تعالى بالشمس من المشرق فتنصاع لقدرته ومشيئته لا يقدر أحد سواه على ذلك. فلما علم عدو الله صحة ذلك وأن من هذا شأنه على كل شيء قدير بهت وأمسك وظهر بطلان دعواه وكذبه، وأنه لا يصلح للربوبية وأهلكه الله وجنوده، قال زيد بن أسلم([1]): جمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس وأرسل الله عليهم بابا من البعوض فأكلت لحومهم ودماءهم وتركتهم عظامًا بادية، ودخلت واحدة منها في منخري الملك فمكثت فيه أربعمائة سنة عذبه الله بها حتى أهلكه بها.

واقتدى به فرعون حين دعاه موسى إلى ربه وفاطره وخالقه الذي أوجده ورباه بنعمه: جنينًا، وصغيرًا، وكبيرًا، وآتاه الله الملك، فقابل هذا بغاية الكفر والعناد، وادعى أنه رب العالمين، هذا وهو يعلم أنه ليس بالذي خلق فسوى، ولا قدر فهدى، فكذب الخبر، وعصى الأمر، ثم أدبر يسعى بالخديعة والمكر، فحشر جنوده فأجابوه، ثم نادى فيهم بأنه ربهم الأعلى واستخفهم فأطاعوه، فبطش به جبار السموات والأرض بطش عزيز مقتدر، وأخذه نكال الآخرة والأولى ليعتبر بذلك من يعتبر.

ولا يستنكر الجحود يا عباد الله مع ظهور الأدلة، فهذا شأن النفوس الجاهلة الظالمة، تجد الرجل منغمسًا في النعم وقد أحاطت به من كل جانب وهو يشكو حاله ويتسخط مما هو فيه([2]) وربما أنكر النعمة، فضلال النفوس وغيها لا حد له تنتهي إليه.

ودل الدليل العقلي والشرعي على انتهاء المخلوقات والمصنوعات إلى خالق واحد، موصوف بصفات يؤثر بها في المخلوقات ومقاديرها وأشكالها وهيئاتها عن أبي هريرة -رضى الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر» فقال الأعرابي: يا رسول الله فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الضباء فيجيء البعير الأجرب فيدخل فيها فيجربها كلها. قال: «فمن أجرب الأول؟!» وفي لفظ: «أفرأيت الأول من أعداه»([3]).

فكل مخلوق له أول، والخالق سبحانه لا أول له؛ فهو وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن.

ومن الأدلة العقلية ما أبقاه الله تعالى من آثار عقوبات أهل الشرك وآثار ديارهم وما حل بهم، وما أبقاه من نصر أهل التوحيد وإعزازهم وجعل العاقبة لهم، قال تعالى:

{ وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ } [العنكبوت: 39] وقال في ثمود { فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } [النمل: 52، 53] وقال عن قوم لوط: {إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آَيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 34، 35].

وقال بعض الأعراب وقد سئل: ما الدليل على وجود الله تعالى: فقال: يا سبحان الله! إن البعر ليدل على البعير، وإن أثر الأقدام ليدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟! فاستدل الأعرابي بالأثر على المؤثر، كقوله تعالى لمن قالوا: { مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً } [فُصّلَت: 15].

وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله: أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى، فقال لهم: دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه- ذكروا لي أن سفينة في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر، وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها، وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد. فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل. فقال: ويحكم! هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع؟ فبهت القوم، ورجعوا إلى الحق وأسلموا على يديه.

فالمخلوقات جميعها وما تضمنته من التخصيصات والحكم والغايات مستلزمة للخالق عينًا، فانتقال الذهن منها إلى العلم بالخالق كانتقال
الذهن من رؤية الدخـان إلى أن تحتـه نـار، ومـن رؤية الجسم
المتحرك قسرًا إلى أن له محركًا، ومن رؤية شعاع الشمس إلى العلم بطلوعها، ونظائر ذلك. فعلم العقل بوجود الخالق كجزم الحس بما يشاهده من آياته المشهودة.

وآياته سبحانه هي: دلائله وبراهينه التي بها يعرفه العباد، وبها يعرفون أسماءه وصفاته وأفعاله وتوحيده وأمره ونهيه.

فآياته سبحانه وأدلة توحيده وما أخبر به من المعاد وما نصبه من الأدلة لصدق رسله لا تحتاج إلى ما يزعمه كثير من النظار أنه دليل، كقولهم: كل ممكن مفتقر إلى واجب، وكل محدث مفتقر إلى محدث. فإن هذه القضية الكلية بعد تعبهم في تقريرها ودفع ما يعارضها لا تدل على مطلوب معين وخالق معين، وإنما تدل على واجب مَّا ومُحدِث مَّا([4]).

فاتقوا الله عباد الله وأحمدوه أن علمكم ما لم تكونوا تعلمون، واذكروه يذكركم، وأشكروه يزدكم.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164].

 

 

 


([1]) فيما رواه عنه عبدالرزاق. انظر تفسير ابن كثير على الآية.

([2]) قلت: وإذا سئل بعض هؤلاء كيف حالك؟ قال: «ادعوا لي».

([3]) بين رضى الله عنه الدور والتسلسل وقطعهما بأوجز لفظ وأبينه، ففهم السامع من هذا أن إعداء الأول إن كان من إعداء غيره له فإنه لم ينته إلى غاية فهو التسلسل في المؤثرات، وهو باطل بصريح العقل. وإن انتهى إلى غاية وقد استفادت الجرب من إعداء من جرب به له فهو الدور الممتنع.

([4]) رؤي سيبويه- رحمه الله- بعد وفاته فقيل له: ما فعل الله بك. قال: غفر لي وأدخلني الجنة. قيل بأي شيء؟ قال بقولي: الله أعرف المعارف. (سمعت هذا في صغري على لسان بعض طلبة العلم).

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 163 زوار و 7 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول