ما جاء به الإسلام من المساواة بين الناس في الحقوق

ما جاء به الإسلام من المساواة بين الناس في الحقوق

جاء الإسلام بالمساواة الصحيحة المستقيمة التي روحها العدل والرحمة والتكامل في الحقوق ساوى بين طبقات الخلق في العدل في كل شيء قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا} [النساء: 135] وقال –صلى الله عليه وسلم-: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء: فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» رواه مسلم وأوجب النصح لكل أحد قال –صلى الله عليه وسلم- «الدين النصيحة» ثلاثًا رواه مسلم.

وساوى بين طبقات العباد في الحقوق الواجبة عليهم تبعًا لقدرتهم واستطاعتهم قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] وقال تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ} [الطلاق: 7] {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7] {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286].

وساوى بينهم في وجوب إيتاء الحق الذي عليهم، وفي إيصال الحق إليهم، فكل من عليه حق عليه أن يؤتيه كاملاً بلا نقص ولا بخس ولا تطفيف، وكل من له حق على أحد أعانه على استخراجه بكل طريق ممن هو عليه.

كما ساوى بين المكلفين في إيجاب العبادات وتحريم المحرمات وكما ساوى بينهم في الفضل والثواب بحسب أعمالهم {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} إلى قوله {أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35].

وساوى بينهم بالتملكات المالية بجميع طرقها ووجوهها وبصحة التصرفات كلها وإطلاقها حيث اشتركوا في العقل والرشد.

وساوى بينهم بأن الرضا في المعاملات العوضية، والتبرعات والإحسان شرط لصحتها ونفوذها وأن من أكره منهم لا ينفذ له معاملة ولا يستقيم له تبرع.

وساوى بينهم في كل حق ديني ودنيوي، ولم يجعل لأحد منهم ميزة في نسب أو حسب أو مال أو حسن صورة إنما الميزة والتفضيل بالمعاني العالية في التقوى وتوابعها: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].

وإنما التفاوت والتفاضل والتفضيل يكون بأسباب من كمال الدين التفضيل بها، كما فضل الذكر على الأنثى في الميراث، وجعل الرجال قوامين على النساء بما فضل الله به بعضهم على بعض، فإن الرجل عنده من الاستعدادات والتهيء للكمال والقوة على الأعمال ما ليس عند المرأة، وعليه من الواجبات النفسية والعائلية ما حسن تفضيله على المرأة، ولهذا علل ذلك بقوله تعالى: {وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} فشكرهم على إنفاقهم على غيرهم وأعانهم على تلك النفقات بالتفضيلات المناسبة لها.

وهذا كما أوجب العبادات المالية كالزكوات والكفارات وغيرها على أرباب الأموال دون من ليس عنده مال، تعليقًا للحكم بعلته وسببه، وكما فرق بين الناس في مقدار الواجبات وأجناسها بحسب قدرتهم واستعدادهم وبهذا يعرف كمال حكمة الله وشمول رحمته وحسن أحكامه {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].

وما خالف هذه المساواة التي يتشدق بها المنحرفون بين الرجال والنساء وبين الأغنياء والفقراء، فإنها مادية ضارة لا يستقيم عليها دين ولا دنيا لخلوها من الدين، والروح الإنسانية الشريفة ومخالفتها لسنة الله التي لا تبديل لها ولا صلاح إلا بها، التي تكفل للآدميين كرامتهم وشرفهم وحقوقهم الدينية والمادية، وإذا أردت معرفة فساد ما خالفها فانظر إلى آثارها كيف انحلت منهم الأخلاق الجميلة وتبدلوا بها الأخلاق الرذيلة، وذهبت معها الرحمة والشفقة والنصح، وكيف كانت تسير بهم إلى الهلاك وهم يشعرون أو لا يشعرون.

ساروا مستصحبين الحرية المطلقة من جميع القيود، وهي عبارة عن حرية الشهوات البهيمية والسبعية، فلم يوقفهم عنها دين ولا أخلاق ولا مصلحة عمومية بل ولا فرادية، فوقعوا في الفوضى وتصادمت الإرادات ومرجت العقول، فارتكسوا في غيهم يعمهون وفي ضلالهم يترددون فإن الله بحكمته ورحمته خلق الإنسان ووضع فيه الشهوة التي تدعوه إلى جميع ما تشتهيه النفس، وعند الاسترسال مع هذه القوة لا يقف عند حد الاعتدال الواجب، بل توقعه في فساد عريض.

ولكن من رحمته وضع فيه العقل الذي يميز به بين الأمور النافعة التي ينبغي إيثارها والأمور الضارة التي عليه اجتنابها فوقف العقل الصحيح معدلاً للشهوة ومانعًا لها من الاسترسال المهلك بما يشاهده من أضرار وأخبار، ورغب في خير الدنيا والآخرة لمن آثر ما يدعو إليه العقل والشرع من الخير والاحتماء عن الشر وتقديم الوازع الديني العقلي على الوازع البهيمي بما له من الآثار الجميلة عاجلاً أو آجلا قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 37-39] فهذا جزاء الطاغي المسترسل مع الشهوات البهيمية الداعية إلى الطغيان ثم قال: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40، 41].

فهذا جزاء من قدم خوف الله على رغباته المطلقة الضارة، وراقب نفسه عن جماحها في الهوى المردي، فإن الهوى يدعو صاحبه إلى ترك الواجبات والمستحبات طلبًا للراحة الحاضرة وإيثارًا للكسل وإلى التجرئ على المحرمات التي في النفس داع قوي إليها، فإذا لم يكبحه بخوف الله وخشية العقوبة استرسل به إلى الطغيان فلم يتورع عن محرم، ولم يقم بواجب وهذا هو الهلاك الأبدي، فإذا خاف ربه وراقبه وعلم ما عليه من الواجبات وما هو محتم عليه من ترك المحرمات، وجاهد نفسه وهواه على القيام بذلك فقد أفلح وأنجح وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء([1]).



([1]) المصدر السابق (155).

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 291 زوار و 3 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول