شرح تعريف الإسلام (2)

شرح تعريف الإسلام (2)

وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن –رحمه الله تعالى- في فتح المجيد: «وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز الاستعاذة بغير الله، وقال ملاَّ علي قاري الحنفي: لا تجوز الاستعاذة بالجن، فقد ذم الله الكافرين على ذلك، وذكر الآية وقال تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) فاستمتاع الإنسي بالجني في قضاء حوائجه وامتثال أوامره، وإخباره بشيء من المغيبات. واستمتاع الجني بالإنسي تعظيمه إياه، واستعاذته به وخضوعه له» انتهى ملخصًا.

والسحر ضرره كبير، وخطره عظيم على الفرد والمجتمع، ولا يضر الساحر من اعتصم بالله عزّ وجلّ ولاذ وعاذ بالله عز وجل لقوله سبحانه وتعالى: ) وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ( الإذن هو الكوني الإرادي، لا الإذن الشرعي؛ لأن الإذن ينقسم إلى قسمين كما هو في الأمر والقضاء والقدر والإذن والإرادة. كل هذه الأشياء تنقسم إلى قسمين: إذن شرعي ديني، وإذن كوني قدري.

فهذا الإذن ليس إذنًا شرعيًّا، فإن الله تعالى ما أذن بالسحر شرعًا، بل نهى عنه وأخبر أنه: (مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) ما أذن الله بالسحر شرعًا، ولا يأذن بذلك، إنما إذا أرد شيئًا إرادة كونية قدرية. ونحن ولله الحمد والمنة في هذه المملكة عافانا الله من كثير من هذه الشعوذات؛ بسبب دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وأسكنه فسيح جناته، وإلاَّ كانوا قبل يفعلون مثل هذه الأشياء.

وكذا العطف الذي يعطف المرأة على محبة زوجها أو غيرها، وهو من استخدام الشياطين، والصرف: يصرفه عن محبة زوجته أو غيرها، وهذا كله من الشرك بالله عز وجل؛ لأنه استخدام للجن واستخدام للشياطين، بالذل لهم والخضوع، وهذا شرك بالله عز وجل، فإنهم ما يرضون إلاَّ بالإشراك بالله عز وجل كما ذكره أهل العلم رحمهم الله.

قد يقول بعض الناس: تجوز الاستعاذة بالجن في ما يقدرون عليه. يقال: هذا خطأ بل باطل، والدليل أن النبي قال: «من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء» .

وقال تعالى: ( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجِنِّ فَزَادُوَهُمْ رَهَقاً ).

قال ابن كثير: أي كنا نرى أن لنا فضلاً على الإنس؛ لأنهم كانوا يعوذون بنا، أي إذا نزلوا واديًا أو مكانًا موحشًا كما كانت عادة العرب في جاهليتها يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان أن يصيبهم شيء بسوء.

وذلك أن الرجل من العرب كان إذا أمسى بوادٍ قفر، وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه. يريد كبير الجن!! قال مجاهد: «كانوا إذا هبطوا واديًا يقولون: نعود بعظيم هذا الوادي ( فَزَادُوَهُمْ رَهَقاً). قال: زادوا الكفار طغيانًا» رواه عبدُ بن حميد وابن المنذر. وقال ابن كثير: «لما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم زادوهم رهقًا، أي: خوفًا وإرهابًا وذعرًا؛ حتى يبقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذًا بهم. كما قال السديّ: كان الرجل يخرج بأهله فيأتي الأرض فينزلها، فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من الجن، أن أُضرَّ فيه أو مالي أو ولدي أو ماشيتي. قال: فإذا عاذ بهم من دون الله رهقتهم الجنُّ الأذى عن ذلك، وقد ذكر عن ابن أبي حاتم بسند إلى عكرمة نحو ذلك» انتهى.

فبهذا تتفطن أن من يتعاطى الشعوذة والدجل والسحر من الصرف والعطف والكهانة والعرافة ونحو ذلك، ويستخدم الجن والشياطين فإذا فعل الشرك الأكبر فإنه مشرك كافر، ولو صلى وصام وتهجد وقام.

تجد من يذهب إلى هؤلاء قلبه مضطربًا دائمًا وخائفًا، انظر واسبر من يذهب لمثل هؤلاء هل شفي، ما تجده شفي، لكنه يخف في وقت دون وقت، تجده يذهب إليهم في كل سنة، وفي كل شهر، فهو لم يُشْفَ؛ لأن من تعلق شيئًا وكلَ إليه. لكن من تعلق قلبه بالله جلا وعلا شفاه الله: ( وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )

فكلما قوي التوحيد في القلب ازداد الموحد قوة وعزة، وكلما ضعف التوحيد في القلب -ولو كان ذا مال وولد وذا جاه وشرف- فهو ذليل يخاف من هذا، ويخضع لهذا، ويذل لهذا، قد قال له العرّاف أو المشعوذ أمورًا جعلت قلبه يخاف من كل شيء، يوسوس له في كل شيء، بينما الموّحد الذي يعوذ بالله «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم» لا يجد شيئًا من هذه الوساوس والتوهمات والتخويفات الشيطانية.

ومثل قوة القلب بالتوحيد ما حصل لنبي من الأنبياء – عليه السلام- تحدّى قومه، وكانت آية له، وكل نبي أرسل أتى قومه بآية إلا هذا النبي كانت آيته التحدِّي، وهو هود عليه الصلاة والسلام كما قال تعالى عنه أنه قال لقومه: (مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ (55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ). فكلما قوي التوحيد في قلبك اطمأننت وأنست. الموحد لا يكون في قلبه خوف من هذه الأشياء، وقد يأتي بعضهم مشعوذا أو دجالا ويقول له: أنا أفعل فيك وأفعل فيقول: ماذا تريد من المال أعطيك؟ لكن الموحد يقول: افعل ما بدا لك، ماذا تفعل؟ ما تفعل شيئًا إلا بإذن الله عز وجل، وإذا كان بإذن الله الجأ إلى الله، واقرأ قوله عز وجل: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ (1)مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (2)وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي العُقَدِ (4)وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ).

( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1)مَلِكِ النَّاسِ (2)إِلَهِ النَّاسِ (3)مِن شَرِّ الوَسْوَاسِ الخَنَّاسِ (4)الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) وهكذا كلما قوي التوحيد ازداد الإنسان عزة ورفعة وثباتًا في الأمر، في أمر الدين والدنيا، فنحمد الله عز وجل.

نرجع إلى صلب موضوعنا. فالإسلام له مراتب الإسلام والإيمان والإحسان، فالإسلام إن كان ظاهرًا وباطنًا فهذا هو المسلم حقًا، وإن كان في الظاهر دون الباطن فهذا هو المنافق، مسلم في الظاهر كافر في الباطن؛ لأن من تسمى باسم الإسلام ينقسم إلى قسمين:

الأول: مسلم في الظاهر والباطن فهذا هو المسلم حقًا.

الثاني: مسلم في الظاهر دون الباطن فهذا هو المنافق الذي توعده الله عز وجل بالدرك الأسفل من النار: ( إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً).

أما الإيمان: فإنه اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح واتباع السنة، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فالمؤمن مسلم، والمسلم قد يكون مؤمنًا وقد لا يكون مؤمنًا، والمحسن أعلى مرتبة من المؤمن، ولذلك ليس كل مؤمنٍ محسنًا، لكن المحسن مؤمن مسلم، والمؤمن ليس بمحسن، وقد يكون محسنًا. فهذه مراتب الإسلام، ثم أركانه.

الركن الأول: هو شهادة أن لا إله إلاَّ الله وشهادة أن محمدًا رسول الله. ولذا جاء في حديث ابن عباس –رضي الله عنهما- أن النبي عليه الصلاة والسلام لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» وفي رواية: «إلى أن يوحدوا الله» . وفي رواية: «إلى أن يشهدوا أن لا إله إلاَّ الله، وأني رسول الله» فمن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله فقد دخل في الإسلام.

لكن إن عمل بلا إله إلا الله فهو المسلم حقًا، وإن لم يعمل بها يكون مرتدًا. ولذلك قال بعض النصارى لأحد العلماء المتقدمين: قال: إني أريد أن أسلم ولكن أريد أن اشترط، قال له: أسلم ولك شرطك، فشرط أن لا يعمل بعضًا من العبادة. فلما أسلم قال له العالم: لابد أن تعمل بأركان الإسلام، قال له: إني قد اشترطت. قال: ولو كنت قد اشترطت. قال: إذًا أعود إلى ديني الأول. قال: لا يمكن ذلك. قال: لماذا؟ قال: لأنك دخلت في الإسلام، فأولاً كنت من أهل الكتاب، والآن دخلت في الإسلام؛ فإذا لم تعمل بالإسلام كنت مرتدًا والمرتد إذا لم يعمل بأركان الإسلام يقتل، أو يعزر إذا كان لا يستحق القتل.

فبهذا تتفطن أن العبد إذا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد دخل في الإسلام، لكن إن عمل بأركان الإسلام فهو مسلم حقًا، وإن لم يعمل بها فإن جحدها فهو كافر، إن جحد وجوب الصلاة، أو جحد وجوب الزكاة، أو جحد وجوب الحج، أو جحد وجوب الصيام فهو كافر. أما إن كان لم يجحد ولكنه ترك الصلاة تهاونًا وكسلاً فالذي عليه جمهور الصحابة والتابعين أن من ترك الصلاة تهاونا وكسلا تركًا كليًّا مستمرًا فهو يكفر بذلك، وأما الزكاة والصيام والحج فإنه لا يخرج من الإسلام، ولكنه على خطر، يعني لا يخرج من الإسلام إلا إذا جحد وجوب ذلك، أما إذا ترك الصلاة فعلى الصحيح من قولي العلماء أنه يكفر، سواء جحد أو لم يجحد؛ لقوله عز وجل: (فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) وقال تعالى: ( فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) ولقوله عليه الصلاة والسلام: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» وبهذا قال كثير من العلماء المحققين، أما الركن الأول شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وشهادة أن لا إله إلا الله فيها نفي وفيها إثبات، فالنفي: لا إله، والإثبات: إلاَّ الله. فلما نَفيتَ عليك أن تعرف ذلك، إذا نفيت فأنت لا تنفي جميع الآلهة، تنفي الآلهة الباطلة؛ لأن بعض الناس يظن أنه إذا قال لا إله فإنه ينفي جميع الآلهة، وهذا خطأ. وقد نحا إلى هذا القول بعض ممن يقول: لا إله موجود إلا الله، وقد دخل من هذا التعبير أهل وحدة الوجود، وأهل الاتحاد بقولهم: لا إله موجود إلاَّّ الله، معنى لا إله عندهم في الوجود إلاَّ الله. فسواء عبدت حجرًا أو عبدت شخصًا فأنت تعبد الله على قولهم الباطل. لا إله في الوجود إلاَّ الله، كل ما في الوجود هو الله؛ من حجر ومدر وشخص غير ذلك، وأي كفر أعظم من هذا الكفر.

وهذه قد يأتي بها بعض الشراح يقول: لا إله موجود إلا الله قد يكون عن غير معرفة للمعنى لكنه قد يقلد غيره، ومن تدبر مقصدهم في ذلك علم أنه كفر صريح، والصحيح الذي قدره العلماء المحققون في خبر «لا» المحذوف أنه حق.

وإن قلت: لا إله في الوجود حق إلا الله فهذا صحيح، لكن لا بد أن تأتي بحق. فبهذا تتفطن حينما تقول: لا إله أنك ما نفيت ألوهية الله إنما قلت: لا إله تنفي الآلهة الباطلة.

ولذا قال عز وجل: (فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى) وقال عز وجل عن إبراهيم أنه قال: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ) فلما قال إبراهيم إنني براء تبرأ من جميع الآلهة، هل تبرأ من الإله الحق أم تبرأ من الآلهة الباطلة؟.

الجواب: تبرأ من الآلهة الباطلة، وحاشا أن يتبرأ إبراهيم من الإله الحق. معنى ذلك تعرف أنك إذا قلت: لا إله فإنك تتبرأ من الآلهة الباطلة ما يدور في ذهنك حينما تقول: «لا إله» أنك تنفي جميع الآلهة بل تنفي الآلهة الباطلة.

وكما قال عز وجل: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ). «لا إله» نافيًا جميع ما يعبد من دون الله «إلاَّ الله» مثبتًا العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته، كما أنه ليس له شريك في ملكه، نعم ما أحسن هذه الكلمة وما أجمعها، ملك الله عز وجل ليس له فيه شريك، وكذلك فتكون العبادة ليس له فيها شريك، ولو عرفت معنى «لا إله» معرفة قلب لزداد توحيدك وإيمانك بمعرفتك لما نفيت وما أثبت. فمعنى «الإله» هو الذي يطاع فلا يُعصى؛ هيبةً وإجلالاً وتعظيمًا، وخوفًا ومحبةً ورجاءً وتوكلاً وإنابة.

فمن أفرد الله تعالى ووحده في هذه الأشياء فقد صدق في قوله: «لا إله إلا الله» ومن كان بخلاف ذلك فقد أشرك مع الله غيره ولم يصدق في قوله: «لا إله إلا الله» ؛ إما لجهله بمعنى «الإله» أو لمحبته للشرك؛ لأنهم في زماننا يسمون من يشركون به في هذه الأشياء سيدًا ولا يسمونه «إله» ولا فرق وإن اختلف اللفظ فقد اتفق المعنى سواء سماه «سيدًا» وأشركه مع الله في العبادة أو سماه «إلهًا» . وهذه الكلمة مقيدة بالتزام معناها والعمل بمقتضاها، فهي العروة الوثقى التي قال الله عز وجل: ( فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لاَ انْفِصَالَ لَهَا ) قاله سعيد بن جبير والضحاك، وهي العهد الذي ذكر الله عز وجل إذ يقول: (لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ) قال ذلك عبد الله بن عباس –رضي الله عنهما- قال: هو شهادة أن لا إله إلا الله. والبراءة من الحول والقوة إلا بالله، وأن لا يرجو إلا الله عز وجل، وهي الحسنى التي قال الله عز وجل: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) وهي كلمة الحق التي ذكر الله عز وجل إذ يقول تعالى: (إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) قال ذلك البغوي، وهي كلمة التقوى التي ذكر الله عز وجل إذ يقول: (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) وهي القول الثابت الذي ذكره الله عز وجل إذ يقول تعالى: ( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ) وهي الكلمة الطيبة المضروبة مثلاً قبل ذلك إذ يقول تعالى: ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) أصلها ثابت في قلب المؤمن، وفرعها العمل الصالح في السماء صاعدًا إلى الله عز وجل، وهي الحسنة التي ذكر الله عز وجل إذ يقول: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) وقال تعالى: ( مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ).

عباد الله: حقيق بمن عرف فضل «لا إله إلا الله» أن يحرص على تعلم معناها والعمل به، وأن يهتم بذلك غاية الاهتمام، ويعتني به غاية الاعناء.

وإنه لميسر على من يسره الله عليه، موجود في كتب العلماء المحققين، كالإمام المجدد لمعالم الإسلام في القرن الثاني عشر الهجري شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وأسكنه فسيح جناته. وذلك في كتبه «كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد» و «الأصول الثلاثة» و «كشف الشبهات» جزاه الله عنَّا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وكذلك في «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد» للشيخ العلامة المحقق عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى أجمعين، وكذلك «معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول» للشيخ حافظ بن أحمد حكمي –رحمه الله تعالى- أسأل الله تعالى أن يرزقنا علمًا نافعًا وعملاً متقبلاً ورزقًا طيبًا إنه سميع الدعاء.

عباد الله: إن كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» لها شروط سبعة يجب أن يعمل بها المسلم في الباطن والظاهر؛ حتى يكون مؤمنًا حقًا مستقيمًا، وهذه الشروط هي:

الأول: العلم بمعناها نفيًا وإثباتًا: لقوله تعالى: ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ) ولقوله: ( إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ) أي بلا إله إلاَّ الله: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) بقلوبهم ما نطقوا به بألسنتهم.

الثاني: اليقين وهو كمال العلم بها، المنافي للشك والريب لقوله تعالى: ( إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يرتابوا، أي: لم يشكوا فأما المرتاب فهو من المنافقين.

الثالث: الإخلاص المنافي للشرك لقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ).

الرابع: الصدق المنافي للكذب، المانع من النفاق لقوله تعالى: (الـم (1)أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ (2)وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ).

الخامس: المحبة لهذه الكلمة ولما دلت عليه، والسرور بذلك لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ).

السادس: الانقياد بحقوقها وهي الأعمال الواجبة؛ إخلاصًا لله وطلبًا لمرضاته لقوله تعالى: ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً).

السابع: القبول المنافي للرد لقوله تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35)وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ ).

إذا أردت أيها المسلم أن تأتي بلا إله إلا الله على أكمل الوجوه ينبغي لك أن تلاحظ فيها اثني عشر أمرًا.

الأول: لفظها.                  الثاني: معناها.               الثالث: حقها.

الرابع: حقيقتها.      الخامس: حكمها. السادس: لازمها.

السابع: مقتضاها.    الثامن: نواقضها.   التاسع: متمماتها.

العاشر: فائدتها.                الحادي عشر: فضلها.        الثاني عشر: إعرابها.

وينبغي للذاكر بها في لفظها أن لا يمد ألف «لا» جدًا، وأن يقطع الهمزة من «إله» إذ كثيرًا ما يلحن القائل فيرددها «يا» وكذلك يفصح الهمزة من «إلا» ويخفف لام «إلا الله» لكسر ما قبلها، وأما لفظة الجلالة «الله» فلا يزيد فيها على مقدار المد الطبيعي؛ إذ كثير من المؤذنين يفرطون في مد لفظ الجلالة ويزيدون في المد وهذا خطأ، ولا ينبغي أن يفعل هذا من يرجو ثواب ذلك من ربه تبارك وتعالى.

والله تعالى أعلم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

المؤلف الشيخ/ عبدالله بن إبراهيم بن عثمان القرعاوي

إمام وخطيب جامع خادم الحرمين الشريفين ببريدة "الجامع الكبير"

 

 

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 305 زوار و 4 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول