شرح تعريف الإسلام (1)

شرح تعريف الإسلام (1)

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.

أما بعد: فنحمد الله تعالى على ما منَّ به علينا من اجتماع في بيت من بيوت الله تعالى،  نتذاكر تعريف الإسلام وأركانه، وسنتكلم إن شاء الله تعالى على ما يتيسر، وإن لم يتسع الوقت فعلى الأول منها لأهميته، ولحاجة القلب إلى معرفته؛ لأنه هو غذاؤه وروحه، نسأل الله تعالى الإعانة والتسديد والإخلاص لوجهه الكريم في القول والعمل.

فأركانه بَيَّنَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه في حديث ابن عمر عن رسول الله أنه قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا» وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في حديث عمر بن الخطَّاب حينما سأله جبريل عن الإسلام فقال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت» الحديث.

فهذه هي أركان الإسلام ودعائم الإسلام، وقواعد الإسلام، فأولها وأساسها ورأس أمرها هو شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ، والإسلام هو كما عرفه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله- بقوله: «الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله» .

فمعنى (الاستسلام لله بالتوحيد): أي تستسلم بالعبادة لله وحده؛ لأنه يوجد من يستسلم لله ولكنه يستسلم لغيره، فاليهود يستسلمون لله ولكنهم يستسلمون لغيره، والنصارى يستسلمون لله ولكنهم يستسلمون لغيره –أي في العبادة-، والمشركون يستسلمون لله في بعض الأمور في العبادة لكنهم في بعض العبادات يستسلمون لغير الله.

ولذلك قيد الشيخ -رحمه الله- الإسلام بهذا القيد وهو الاستسلام لله بالتوحيد، ليخرج بهذا القيد وهو (التوحيد) استسلام اليهود والنصارى والمشركين، فتدبر ذلك وانتبه له؛ لأنه ليس القصد من أن يعبد الله فقط؛ ولكن القصد أن يعبد الله ولا يعبد معه أحد، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولهذا قال: الاستسلام لله بالتوحيد.

وقوله: الانقياد له بالطاعة. وأيضًا قيَّد (الانقياد) أن يكون بالطاعة لا بالهوى، ولا بما تشتهيه النفس، ولا بما يريده الإنسان، إنما الاستسلام يجب أن يكون بالطاعة؛ بطاعة الله وطاعة رسوله، والانقياد يكون فيما أمر الله به وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم ، فمن الناس من ينقاد ولكنه على غير اتباع للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» وفي رواية: «من صنع أمرًا ليس عليه أمرنا فهو رد» وفي رواية: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» .

ولمَّا عزم أناس على أن يفعلوا عبادات ما أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ظنًا منهم أن هذه العبادات مما يحبها الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لمَّا سئلوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم كأنهم تقَالُّوها فقال أحدهم: أما أنا فلا آكل اللحم، وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال الثالث: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الرابع: أما أنا فأقوم ولا أنام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رغب عن سنتي فليس مني، أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني» .

لذا فالانقياد لابد أن يكون بالطاعة، فإذا لم يكن بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فليس من الإسلام؛ حتى ولو تعب المتعبد واجتهد حتى ولو حصل عليه ما حصل في هذا السبيل الذي ليس بطاعة لرسول الله فليس من الإسلام، فإن الذي من الإسلام هو ما كان انقيادًا بالطاعة، فإذا كان بغير طاعة فإنه مردود على صاحبه، سواء شقَّ عليه أو لم يشق عليه، سواء بذل مالاً أو وقتًا أو لم يبذل؛ لأنه مردود على فاعله كما جاء في الحديث، فهذا هو معنى هذا التعريف.

والثالث من هذه الجملة في تعريف الإسلام: «البراءة من الشرك وأهله» فإنه إذا استسلم العبد لله وحده، وأخلص العبادة لله وحده لا شريك له، وانقاد لله عز وجل بما شرعه تعالى وسنه رسوله صلى الله عليه وسلم بقي عليه أن يتبرأ من الشرك وأهل الشرك.

ولذا قال: «والبراءة من الشرك وأهله» فلابد للمسلم من أن يعرف الشرك ليكفر به ويجتنبه، ويبغضه ويعادي أهله، ويتبرأ منهم ومما يعبدون. هذا هو الإسلام الصحيح.

أما كون الإنسان يتعبّد ويعبد مع الله غيره، كما يفعله طوائف ممن ينتسب إلى الإسلام، يعبدون الله ولكنهم يذبحون للجن وللشياطين، ويدعون الأموات، ويفعلون بعض الشركيات، فهؤلاء ما استسلموا لله وحده، استسلموا لله في أمر واستسلموا لغيره في أمور. وهذا شيء مشاهد، هذا شيء محسوس عند كثير ممن ينتسب إلى الإسلام، وكذلك الانقياد يوجد في بعض البلدان من يكون فيه تصوف فهو يتعبد لكن بغير طاعة؛ أي على غير متابعة للرسول صلى الله عليه وسلم ، يتعبد بطرق غير مشروعة، يتعبد ويجتهد ويظن أن تعبده من الإسلام وليس من الإسلام.

وكذلك البراءة من الشرك وأهله: يوجد من لا يتبرأ من الشرك، يزعم أنه ما عليه منهم، وليس بمسئول عنهم، ولهم دينهم وله دينه. لا هذا خطأ بل باطل، لهم دينهم ولك دينك، ولكن يجب عليك أن تتبرأ منهم، وأن تكفرهم، وأن تبغضهم، وأن تعتقد بطلان ما هم عليه، هذا هو الإسلام الصحيح.

وقد يحتج بعضهم على ما ذهب إليه في هذا المذهب الباطل من ترك اعتقاد الكفر بالكفار والمشركين، ووجوب الكفر بهم بقوله جل وعلا: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [سورة البقرة: 256].

فيقال: معنى هذه الآية: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) قال أهل العلم: لا إكراه في الدين هذه منسوخة بآية السيف: (فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ وَخُذُوَهُمْ وَاحْصُرُوَهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) وهذه تسمى آية السيف، وليس كل كافر يكون كذلك أي يقتل، بل هناك من يكون معاهدًا أو يكون مستأمنًا، أو من أهل الذمة فهؤلاء لهم أحكام دلت عليها أحاديث كقوله صلى الله عليه وسلم: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة» وكقوله صلى الله عليه وسلم: «يجير على المسلمين أدناهم ويسعى بذمتهم أدناهم» . قوله صلى الله عليه وسلم: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ» . ومع هذا فإنه يجب بغضهم وعداوتهم والكفر بهم، ويحرم ظلمهم والتعدي عليهم بقول أو فعل؛ لأن هذه الآية في الحربيين أي: آية السيف، وقال بعضهم: إنه لا إكراه في الدِّين: تكون في وقت دون وقت، يعني معنى ذلك إذا ضعف المسلمون ولم يستطيعوا مقاومة المشركين، أي: فلا يجب عليهم إكراه المشركين على الإسلام لضعفهم وعدم استطاعتهم، والقول الأول هو الأشهر عند كثير من أهل العلم أنها منسوخة بآية السيف، والله تعالى أعلم.

وأما قوله عز وجل: ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ )  فمن تدبر السورة وجد أن معناها هو التصريح بالبراءة من الشرك وأهل الشرك، يوضح ذلك قوله عز وجل: (قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ (1) لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4)وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5)لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين) يعني: أتبرأ مما تعبدون، وأعتقد بطلان ما تعبدون ) وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ( فهم يعبدون الله، ولكن حيث إنهم يشركون باللات والعزى قال: ( وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) فصارت عبادتهم لا شيء، لماذا؟ لأنهم كانوا يشركون في العبادة.

وقوله: ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) أي: لكم دينكم الذي أنتم عليه وأنا لي ديني، الذي هو التوحيد وملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فبهذا تعلم أنه جهر بالبراءة من الشرك وأهله وجهر بالبراءة من الكفر وأهله، فلا يدور في خلد الإنسان أنه ليس بمسؤول عن الكفر بالشرك، وليس مطالبًا بذلك؛ بل اعتقاد الكفر بالشرك وأهله، والجهر بذلك من ملة إبراهيم عليه السلام التي أمرنا باتباعها كما في قوله تعالى: ( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ).

فالواجب عليك أن تتبرأ من الشرك وأهل الشرك، وأن تتبرأ من الكفر وأهل الكفر، كما قال عزّ وجلّ عن إبراهيم: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26)إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ). كما قال عز وجل عن إبراهيم: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ).

وكما أخبر الله عز وجل في سورة الممتحنة بقوله: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ).

ما معنى: «بدء» : يعني ابتداء، لا إنما معناها ظهر، أي ظهرت العداوة وأُعلنت، فبهذا يتفطن المسلم لمعنى الإسلام، وأنه الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، ونحمد الله أن من علينا بمعرفة ملة إبراهيم ودين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

نسأل الله عز وجل أن يمنَّ علينا بالثبات على التوحيد، والعقيدة الصحيحة السليمة، فإنها نعمة من الله عز وجل تفضَّل بها ومنَّ بها على من يشاء من عباده، فنحمده جلّ وعلا لا نحصي ثناء عليه.

ولا يعرف قدر التوحيد إلاَّ من عرف الشرك ومآل المشرك، وأن مآله إلى النار خالدًا مخلدًا فيها أبد الآبدين ودهر الداهرين، قال تعالى: (لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا) فالذي يعرف مآل المشرك وما سيؤول إليه إذا مات على الشرك يعرف فضل التوحيد.

لكن قد تخفى الثالثة على بعض من الناس، وهي البراءة من الشرك وأهله، فإنه إذا قيل: الذي يذبح للجن مشرك، يجب عليك أن تتبرأ منه ومن شركه، قال: من يخفى عليه حكم البراءة من الشرك!!!.

هذا يصلي ويصوم فيقال له: ثم ماذا! حتى ولو كان يصلي ويصوم، إذا كان يذبح للجن فهو مشرك يجب أن نتبرأ منه، ونعتقد بطلان عبادته وما هو عليه، ونبغضه ونعاديه، وكذا من يفعل السحر فهو مثل من توضأ وأحدث ثم صلى هل تصح صلاته؟!.

الجواب: «ما تصح» وكذا هذا يصلي ويصوم ويدعي الإسلام، ثم يحدث حدثًا أكبر، كأن يذبح للجن أو غيرهم من المخلوقات، فهو أحدث فبطلت عبادته لقوله تعالى: ) لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ( ولقوله تعالى: ) وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(.

فالساحر مشرك، لماذا؟ لأن الشياطين لا تخدم وتعين إلاَّ من ذلَّ لها وخضع، اقرأ قوله عز وجل في سورة الأنعام: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ).

ماذا قال أهل العلم عن استمتاع الجن بالإنس والإنس بالجن؟

قال أهل العلم: استمتاع الإنس بالجن أن الجني يخدمه، أي: يخبره عن بعض المغيبات، ويخبره عن بعض الأمور، وينقل له بعض الأخبار، ويفعل له ما يستطيع. واستمتاع الجني بالإنسي أن يخضع الإنسي للجني، وأن يذل له؛ سواء بقول أو بفعل؛ كالسجود والذبح لهم ولو سرًّا أو غير ذلك، وقد يفعله الإنس ظاهرًا، وقد يكون خفيًا، كأن يسجد لهم، أو يذبح لهم، أو يتلطخ بالنجاسات، فإذا فعل هذه الأشياء حينئذٍ رضيت الشياطين، وخدموا هذا الإنسي، فإذا ذل الإنسي للجني بالشرك ونحوه خدمه.

فبهذا تعلم أن السحر شرك، وأنه كفر، وأن من يتعاطى السحر مشرك، وأن من يفعل السحر كافر، وأنه ما عرف الاستسلام لله بالتوحيد، فإنه قد استسلم لغير الله عزّ وجلّ.

عزيزي الزائر .. للإستفادة من جميع موارد الموقع يجب توفر لديك البرامج التالية :

        

المتواجدون حالياً

حاليا يتواجد 194 زوار و 3 أعضاء  على الموقع

إحصائيات الموقع

يحتوي الموقع على

أكثر من
800
مقال
 أكثر من1800
كتاب
 أكثر من3800
صوت
 أكثر من600
فديو

 

تسجيل الدخول